الخميس، 22 أكتوبر، 2009

الفصل الثامن

يقف العالم على الجانب ليفسح الطريق بالمرور أمام من يعرف أين هو ذاهب
ديفيد ستار جوردان


أنهى حمود واجباته مبكرا هذا اليوم . قام بإيصال الأولاد من المدرسة وقضاء حاجات البيت ثم عاد مسرعا الى غرفته. فتح صندوقه الخاص بالرسائل واستخرج قصاصة الورق التي تتحدث عن الكنز ثم خرج ليجد الجد مشغولا بسقي أزهاره في الحديقة.. إقترب منه حمود طالبا الإذن في زيارة مكتبة الحي الذي يسكن فيه زاعما أنه يفضل كتابة خطاب لأمه هناك. أجابه الجد إلى طلبه وهو يرمقه بنظرة شك وإرتياب إذ ما علاقة حمود بالكتابة والمكتبات، ولم لا يكتب خطابه في غرفته كما تعود.

وصل حمود الى المكتبة القريبة وهو يحس أن شخصا ما يتابع خطواته منذ خروجه من البيت.. هل يمكن أن يكون الجد هو الذي يراقبه ؟ علاقته مع الجد هي الأفضل من بين جميع أفراد العائلة ولكنه أحس بنظرات الريبة في عيني الجد هذه المرة .. لم لا يكون الجد هو صاحب الرسائل الغريبة وهو يضعها له للترفيه عنه وفي المرة الأخيرة تمادى قليلا وقرر وضع شيئ إضافي عن الكنز للترفيه عن كلاهما ليرى كيف يتصرف فقير مسكين مثل حمود مع فكرة هبوط ثروة هائلة عليه ..

من فضلك، أحتاج بعض المساعدة ..؟ يسأل حمود أمين المكتبة.
نعم .. كيف يمكن أن أخدمك ؟ يطل عليه رجل قصير القامة يختبئ خلف نظارات سميكة لم يسبق لحمود أن شاهد مثلها من قبل.

أريد كتابا معينا .. كل الذي أعرفه عن الكتاب هو رقمه. يخرج حمود قصاصة الورق ليرى الأرقام الى أمين المكتبة بعد أن أخفى الإشارة الى الكنز:

نهاية العالم عند:
N 07 57 27
E 80 45 36

همم .. لا نحمل كتبا بهذه التشكيلة من الأرقام والعناوين .. يتابع أمين المكتبة.

إذن قد تكون في مكتبة أخرى .. يتسائل حمود.

لا أعتقد ،، نحن المكتبة الأثرية الوحيدة في الجزيرة التي تضع كتبا مطبوعة على أرففها فجميع المكتبات الأخرى رقمية وتخلو من الورق ..

لكن مهلا، .. أمتأكد أن هذا كتاب ؟ .. تبدو لي هذه الأرقام وكأنها إحداثيات من النوع الذي كان يستخدم قديما لتحديد موقع جغرافي. تعال معي .. ينزلان سويا عبر درج خشبي يقودهما الى دهليز طويل تحت مستوى أرضية المكتبة ثم الى قسم الخرائط الأثرية بالقبو .. مساحة مظلمة في جو رطب تصطف على جنباتها أرفف خشبية عالية الإرتفاع. بعد بحث سريع بين الأرفف يستخرج أمين المكتبة خريطة قديمة لسيلان يعلوها الغبار ثم يتخذ مقعدا له تحت عمود الإضاءة القريب من الرف.

 نعم، مثل ماتوقعت. إنظر .. أترى هذه الأرقام على جانبي الخريطة ؟ إنها تعني خطوط الطول والعرض التي كان يستخدمها أجدادنا سابقا وإلتقاء خطين يحددان نقطة ما على الكرة الأرضية .. أتعرف أنهم كانوا يستخدمون أجهزة صغيرة لاقطة تستقبل إشارات من أقمار صناعية تدور حول الأرض لتحديد أماكنهم في بداية طفرة الإتصالات عند نهاية الألفية الثانية ..

إذن فهذه الأرقام تشير الى نقطة محددة في الجزيرة وهي المكان المعروف بنهاية العالم، أليس كذلك؟ يقاطعه حمود مستعجلا.

دقائق من السكون يمضيها أمين المكتبة وهو يتتبع الخطوط  .. إمم .. نعم .. لا ، نعم،  لا .. لا، إنظر هنا .. تشير الإحداثيات الى نقطة فوق. هنا في جبل سقريا، إلى الشمال من كاندي بينما نهاية العالم تحت الى الجنوب من كاندي بالقرب من نوارا إليا ..

يخرج حمود مسرعا وهو يحمل قصاصة الإحداثيات و نسخة من الخريطة سمح له أمين المكتبة بتصويرها. لم ينس أن يشكره كثيرا على مساعدته لكنه كان متوجسا أكثر من أسئلته التي حاول التهرب منها فما هو  في النهاية سوى عامل بسيط من بلد غريب يأتي حاملا أرقاما قديمة تدل على مكان ما لا يظهر إلا في خرائط أثرية. أليس هذا كافيا لإثارة الشكوك حوله  .. بلى ، ولكن كيف سيحل لغز هذا الكنز إن لم يقم بتتبع الخيط الذي سيقوده الى مبتغاه  .. ترى ماذا يدور في ذهن أمين المكتبة عنه الآن ؟

عاد حمود الى البيت الكبير وهو مشغول البال يحسب أن أنظار المارة كلها تلاحقه في الطريق وأن العالم يراقبه. لم يكف عن التساؤل .. إذا كانت الأرقام تشير الى مكان آخر وهو جبل سقريا فلم نهاية العالم ؟ .. لماذا تذكر الكلمات نهاية العالم بينما تشير الأرقام، كما أخبره أمين المكتبة، الى سقريا ؟.. أيحتمل أن يكون هناك خطأ ما ؟

 تتزاحم الأسئلة في رأس حمود من دون إجابات ..  يصل الى البيت ليفتح باب غرفته ويلقي بنسخة الخريطة على الطاولة الصغيرة أمام سريره. لم ينتبه الى خيال شخص يجلس في الركن المقابل لسريره.

مالذي تبحث عنه ؟

يجفل حمود عند سماع الصوت الغريب. تندفع يده لاشعوريا لتسقط الآنية الفخارية التي تحوي نبتة الزعتر الصغيرة فتنكسر على الأرض. يلتفت ليجد الجد جالسا لوحده وهو ينظر إليه فيما وريقات تتدلى بين يديه .. هذه هي المرة الأولى التي يجد فيها أحدا من البيت الكبير يدخل غرفته فضلا عن أن يجلس في أحد أركانها.

أرجو المعذرة .. لم أقصد أن أفاجأك هكذا. يتابع الجد حديثه ... تأخرت في المكتبة فقررت أن أنتظرك هنا، عن ماذا تبحث؟

عقدت المفاجأة لسان حمود ..
ماذا تقصد ؟  .. يجيب مستفسرا بينما أكب على الأرض ليجمع قطع الفخار.

كنت في المكتبة كما قلت لي ولكن لم تذهب إلى هناك لتكتب خطابا .. كنت تبحث عن شئ ما، ماهو ؟

لاشئ .. أجاب حمود وهو يحاول أن يخفي إضطرابه ،، ولكن كيف عرفت أني لم أكن أكتب خطابا لأمي ؟

أنظر الى أدواتك، أقلامك وورقك هنا لم تأخذ شئ منها معك .. ظننت أنك نسيتها فطلبت من صالح أن يأخذها لك. تعرف أن السائق الذي كان يعمل قبلك قد هرب مرة من خدمة السيد وهذا يكلفنا متاعب جمة في إستخراج تراخيص الإستقدام والعمل ..

إطمئن فليس في نيتي الهرب بل على العكس فأنا مسرور بالعمل وأشكر الله أن قدر لي هذه الفرصة للمجئ هنا .. يرد حمود بثقة.

حسنا، أردت فقط أن أتأكد ..  ولو أنك لم تجب على سؤالي .. قالها الجد وهو يغادر الغرفة فيما يتنفس حمود الصعداء. هل ياترى لاحظ شيئا ؟ كانت الخريطة أمامه على السرير ومع ذلك لم يسأل عنها ..  ثم ماهي تلك الأوراق التي كانت بين يديه ؟ هل إطلع على الرسائل ؟ يمد يده سريعا تحت السرير ليسحب صندوقه الحديدي من مخبأه. يبدوا في مكانه مقفلا .. إذن لم تمسه يد الجد. هل إقتنع بجوابي ؟ ربما ولكني سمعته يقول أنني لم أجبه ..

يكمل حمود تنظيف طاولته من بقايا الإناء المكسور ورأسه ملئ بالإسئلة التي تبحث عن إجابات .. فجأة ينتبه إلى وجود طرف خطاب يبرز فوق عتبة النافذة، يسحبه على عجل ليجده من نفس نوعية الخطابات إياها. لكن لماذا تغير المكان هذه المرة، لم ليس عند عتبة الباب؟ كان الجد هنا .. هل يمكن أن يكون هو من وضعه  قرب النافذة خاصة وأنه كان يحمل بعض الأوراق في يده ؟ لم يتبين حمود ملامح تلك الوريقات.. لا، لا بد أن من ترك الخطاب قد تركه من الخارج بعد أن لاحظ وجود الجد في الداخل .. نعم هذا هو السيناريو المقبول .. هكذا قدر حمود، لكن ترى من يكون ؟

فتح الرسالة .. كانت ملفوفة بعناية أكثر من المعتاد ،،

ينظر في الأوراق ليجد كلاما غير مفهوم ،، بعض الأحرف قد زالت وبعضها الآخر مازال واضحا لكن الكلمات غير مقروؤة .. ثم فجأة إتضحت الكلمات وبدأت تتراص مع بعضها شيئا فشيئا لتصبح جملا مفهومة .. بدأ بالقراءة:

... ولكن.. من..  و .. سل.. ثم

أخبرني بالله عليك، هل سينقص من إسلامك شئ لو لم يكن هناك إبن تيمية أو إبن القيم أو إبن كثير ،، بل هل سينقص من إسلامك شئ لو لم يكن هناك أحد الأئمة الأربعة أو حتى أحد المبشرين بالجنة ؟ .. فكر جيدا قبل أن تجيب، هل سيتغير شئ في دينك كما تعتقده اليوم لو لم يعش أحدا من هؤلاء، هل ستشعر بنقص في إيمانك لو لم يكن أحد من مثل هؤلاء البشر موجودا، هل ستتغير الطريقة التي تمارس فيها شعائر دينك بحيث تنقص صلاة الظهر ركعة أو تزيد صلاة الفجر عن ركعتين مثلا .. أما عن نفسي فلا أرى أن عدم وجود أحد من هؤلاء سينقص من ديني كما أن وجودهم لن يزيد فيه .

عاش أبي ومن قبله أجدادي في إحدى قرى نجد ولم يعرفوا إلا أقل من القليل عن الذين ذكرتهم أعلاه ،، ومع ذلك كانوا أكثر ورعا وتقى من كثير من مدعي التدين الذين نراهم اليوم. عرفوا أن الدنيا أوسع لهم من الدين بالرغم من تدينهم الشديد وبالرغم من دنياهم الصغيرة .. لم يلتحقوا جميعا بمدارس يلقنون فيها تفسيرا ولا فقها ولا تجويدا ولاحديثا ،، إنما كفاهم ما تعلموه من قرآن ربهم وما عرفوه من تعاليم نبيهم  .. تصور ذلك، عاشوا وماتوا مسلمين وما قرأوا البخاري ولا درسوا إبن تيمية !

أيصير ذلك ؟  ولم لا، ..  كان الواحد منهم يعرف أمور دينه في وقت قصير، ثم يتفرغ لدنياه بدون أن يقف الدين عائقا عن ممارسة حياته الطبيعية أو مصدر تهديد لغيره كما هو اليوم .. حتى نظرتهم للآخرين كانت مدفوعة في أكثرها بتقاليدهم وعاداتهم بحكم نشأتهم في بيئة منغلقة ولم تكن كما هي اليوم بدافع ديني مؤدلج حيث البلد منفتحة على العالم.

ثم مالذي يحتاجه المسلم أصلا ليقوم بما إفترضه الله عليه من عبادة ،، أليس الركن الثاني من الدين يستطيع المسلم أن يتعلمه في جلسة واحدة أو جلستان أو ثلاث ثم هو يكررها يوميا. لم يدرس آباءنا أركان الوضوء ولا سننه أو واجباته ،، ومع ذلك لم يشكوا في صحة صلاتهم .. ألم يكن الأعرابي يفد على الرسول صلى الله عليه وسلم فيتعلم منه دينا جديدا كاملا في يوم أو يومان أو أسبوع أو أسبوعان ويعود الى قومه ..

أما اليوم فيظل الواحد منا يتلقى دروسا في الفكر الديني منذ صغره وحتى يتخرج من الجامعة. يبتدأ في طفولته بدروس عن الموت وهو للتو مقبل على الحياة ، يتطلع في صغره إلى دنيا يحدوها الأمل ليجد حصصا عن القبر والكفن، بدلا من أن يتعلم أول ما يتعلم عن الحياة وقيمتها يبدأ بصلاة الجنازة وصفتها .. نحشوا عقول أبنائنا بدروس في الفقه والتجويد والتفسير والحديث والنصوص منذ دخولهم للمدرسة وهم أبناء سبع سنين وحتى تخرجهم من الثانوية بعد أن يصبحوا شبابا .. وكأنهم جميعا يتم تحضيرهم ليصبحوا رجال دين أو مختصين في الشريعة.

هذا عن الكم أما عن المحتوى فهي ليست قرآنا منزلا وآي من الذكر الحكيم، بل هي زاد ثقيل من شروحات وهوامش وضعها أناس مثلي ومثلك .. مرروا آراءهم في فترة من الزمن حتى أصبح كلامهم مقدسا غير قابل للمناقشه فضلا عن الإنتقاد. محتوى مكرر ومواضيع معادة كل سنة دراسية ولكن بتفصيل أكثر وتوسع ممل عن أمور تؤخر أكثر مما تقدم وتعطل أكثر مما تنتج. مناهج خفية وأخرى ظاهرة ومراكز بين تلك المدارس تعلم فيما تعلمه أن الحياة الدنيا لا تستحق العيش وأنها ممر لحياة آخرة هي الباقية  - كلام حق أريد به باطل –  وأن ماوراء الدنيا من موت وعبور الى حياة خالدة هو أهون و أسهل بكثير من حياة جاهلة، وأن الدنيا مليئة بأنواع الشرور، كل أنواع الشرور، وعلى رأسها المرأة، خاصة غير المحجبة وما أكثرهن في هذا العالم، وأن الأغاني والسينما والتلفاز والإنترنت وكافة المتع الحسية والمعنوية هي في أكثرها إن لم يكن كلها شرا وحراما يجب الحذر منها وأن الأصل في الأشياء .. كل الأشياء هو للحرمة أقرب وعليك أن تسأل عن ما هو الحلال منها بمجرد بدء يومك وحتى تنهيه وإلا وقعت في الحرام !

عليكم أن تحاكموا آباءنا وأجدادنا قبلنا وتصدروا أحكامكم عليهم لأنهم لم يقضوا إثنا عشر عاما من عمرهم وهم يحفظون مانكرره في مدارسنا. أصبحنا في وضع حرج ليس مع العالم من حولنا فحسب بل ومع أنفسنا من الداخل .. حتى الدولة تورطت مع هذا التيار المتشدد على الرغم من المحاولات المستميته لتغريبه والقول بأنه بضاعة مستوردة، وماهو بذلك .. بل هو صناعة محلية وبنكهة سعودية. نعم،  قد يخالطه بعض المكونات الخارجية ولكنه بالأصل منتج وطني بحت.

الخميس، 15 أكتوبر، 2009

تتمة الفصل الثالث


إنتهى حمود من قراءة الأوراق وهو غير مكترث من غرابة أحداثها .. لم يعبأ بها كثيرا هذه المرة عكس المرة السابقة. كل منا يقوم بدور أو أكثر في هذه الحياة ونلبس أقنعة أمام الآخرين حسب الدور الذي نقوم به والقليل من يدرك ذلك. نعم، قد تختلط أحيانا بعض الأدوار مع بعض .... هكذ حدث نفسه وهو يكمل شرب كوب الشاي لكنه مازال يتسائل من الذي يوصل له هذه الوريقات بالرغم من أن اليوم ليس يوم البريد. ربما أحدهم يحاول أن يجعل منه أضحوكة أو يلهو معه بإرساله تلك الخطابات .. لعله صالح، أيمكن أن يكون صالح ؟ ولم يفعل ذلك وهو الرجل الرزين الجاد كما يبدو من محياه !

تناول إفطاره على عجل وذهب للعمل في الحديقة الخلفية .. كان عليه أن يقوم بغسل جميع المركبات وإحضار طلبات المدام أولا قبل أن ينسل سريعا الى غرفته ليغير ملابسه ويتجه صوب الجامع الكبير. هناك نسبة كبيرة من المسلمين السيلانيين من أهل الجزيرة يؤدون الصلاة سويا ويتكلم بعضهم اللغة التاميلية إضافة الى السنهالية التي أصبح يجيد التعبير بها الى حد كبير. أصبح من مرتادي ذاك التجمع الكبير للعمال بالبطحاء مرة كل أسبوع بعد أداء صلاة الجمعة. كان يتطلع لذلك اللقاء بعد إنتهاء الصلاة عله يرى أحدا من الديرة يشم فيه رائحة بيوت الطين التي غادرها منذ أشهر .. يأخذ أخبار الأهل والديار التي تركها من القادمين الجدد. الوجوه المألوفة في حي البطحاء تذكره بأشجار السدر المنتشرة في شعيب الحيسية شمال بلدته القديمة. يتحسر على تلك الليالي الجميلة التي كان يقضيها بين ربوع وادي الخمرة حين كان يتخذ من مجراه على البطحاء البيضاء مكانا لقضاء الليل والسمر تحت نور القمر.

هذا هو الحضور التاسع له منذ وصوله للجزيرة ولأول مرة يسمع بعض الأخبار التي أقلقته عن وباء غريب بدأ ينتشر من جنوب نجد  الى أعاليها ومن الحجاز الى الخليج .. لم يدر عن صحة الخبر كما لم يكن هناك من وسيلة للتأكد من ذلك، ربما هي شائعات كي يطيل العمال هنا فترة إقامتهم خاصة بعد قرار الحكومة تعليق إصدار أذونات السفر لمواطني بلده عقب أحداث الشغب الأخيرة التي إفتعلوها في العاصمة كولمبو، ولكن قلقه إزداد عندما أكد له صالح بعد عودته مساء لبيت سيده صحة ماسمعه. دعى الله أن يحفظ بلده وأهلها من كل مكروه.

تأكد الخبر وانتشر بسرعة لايجاريه سوى سرعة إنتشار الوباء الذي حصد مئات الآلاف من البشر في بلده وتناقله الناس. عاش حمود أياما عصيبة وهو يستمع باهتمام الى القصص التي ينقلها المسافرون الذين كتب لهم النجاة من ذاك الوباء. يقال أن الأهالي كانوا لايفرغون من زيارة المقابر بل حتى أنهم أخذو في إستعمال بعض أبوابهم الخشبية لتنضيدها كنعوش من جراء كثرة الموتى. كان كثير القلق على أمه خاصة بعد انقطاع رسائلها عنه. كم يود الآن لو أنه عند قدميها يكحل ناظريه بمرآها، ثم بعد أن يطمئن عليها تبعث به لخالها في منفوحة مع طعام من صنع يديها كما تعود.

يلاحظ حمود ملامح الوجوم والحزن في أوجه العمال الذين يقابلهم في الطريق أثناء ذهابه للمدرسة .. الوضع المأساوي لم يقتصر على نفسيات العاملين هنا من جميع مناطق الخليج والجزيرة العربية بل ترك آثاره حتى على بيوت السيلانيين ومتاجرهم وأعمالهم. إنكفأ العمال على أنفسهم يتتبعون أخبار من بقي من أهاليهم بذهول غير مصدقين. قصص فقد الأحبة لا تنقضي والكل يحكي عن مأسآته .. أخبره صالح مرة عن أحد العاملين معهم في مكتب السيد والذي فقد كل عائلته في القصيم. خاف عليه السيد أن يقدم على عمل جنوني فطلب من صالح وزملاؤه أن يتناوبوا الجلوس معه وعدم تركه وحيدا. لن ينس حمود منظر تلك الخادمة التي تعمل في بيت جارهم وقد خرجت مهرولة من بيت مخدومها وهي تبكي بصوت عال بعد أن سمعت بموت أطفالها الثلاثة الذين تركتهم مع أبيهم في حائل على ما يظن  .. أفزعه مرآها بتلك الحالة.

انطلقت حملات المساعدة الشعبية من سيلان الى أهل بلده تبعها حملات أخرى من الدول الغنية كأندونيسيا وتايلند والهند والفليبين وبنجلاديش .. تأثر حمود كثيرا بالخير المتأصل في قلوب الناس وطيبتهم وحبهم لعمل المعروف على إختلاف أديانهم كما ساءه وأزعجه كثيرا وجود قلة بين السيلانيين المسلمين كانت تزعم بأن هذا عقابا من الله لأهل بلده بسبب ظلمهم لأنفسهم وإسرافهم وأنهم بذلك يستحقون ما أصابهم من وباء. كيف سمح هؤلاء لأنفسهم بأن يصدروا أحكاما ربانية تتعلق بأهل بلده ونواياهم، ومع ذلك لم يغير هذا من قناعاته بأريحية الناس وطيبتهم هنا.

أخبره جد الأولاد في حديث عجيب لم يخلو من الصراحة عن حدث مشابه حصل لأهل سيلان قبل مائتي عام تقريبا حين ثار البحر وعلا الموج ليغرق الشواطئ ومن عليها من البشر وكيف أن أهل حمود من الخليج والجزيرة العربية مدوا أيديهم مع بقية العالم بالمساعدة لأهل سيلان وبقية السواحل المتضررة. من يصنع المعروف لايعدم جوازيه .. هكذا أخبره والد المدام فيما حمود يتسائل متعجبا عن نوع المساعدة التي يمكن أن يقدمها أهل بلده الغارق في الفقر الى هذه الجزيرة الغنية. لم يجد إجابة شافية من الجد سوى الإيحاء بأن أهل بلده لم يكونوا كما هم عليه اليوم.

هل تخشى من الموت يا حمود ؟ يباغته سؤال الجد
وهل هناك من لا يخشى الموت ؟.. يرد حمود بعد تفكير قصير.

الخوف من الموت والمرض ليس أمرا طبيعيا فحسب يا حمود بل و إيجابي أيضا، يكمل الجد حديثه.  هذا يعني أن لك حياة تستحق العيش من أجلها. يموت الإنسان عندما لا يكون هناك شيئا يستحق أن يعيش من أجله. يموت عندما يستيقظ ولا يجد أن هناك ما يستحق أن يصحو له .. يموت عندما يفقد كل سبب في أن ينهض من مرقده .. عندما يفقد كل أمل في أن القادم أفضل من الفائت .. عندما تختفي المتع وتذوي اللهفات ..عندما تنطفي الدهشة وتموت الرغبة .. عندما يصبح اليوم مثل الأمس والغد مثل اليوم .. عندما لا يصبح للحياة أي معنى أو طعم. هناك أناس ميتون بيننا ولم ندفنهم بعد.

يعود حمود الى شؤونه اليومية. مضى إثنا عشر يوما ورسائل أمه مازالت منقطعة عنه .. هو متشبث بالأمل، ما أضيق العيش لولا تلك الفسحة التي يصنعها ذاك الأمل في قلوب أصحابه. تشارك الناس في المصيبة التى حلت بهم ومواساتهم لبعضهم البعض ساعد في تقبلهم لمأسآتهم ولكنه لم يخفف من وقعها عليهم. بقي حمود يترقب الأخبار بقلق .. أحيانا يكون ترقب الخبر وانتظاره أشد وقعا على النفس بل وأسوأ من الخبر نفسه، هكذا قدر. عند عودة حمود من المدرسة بعد إحضاره للأولاد يلاحظ وجود خطاب على عتبة بابه .. يهرع إليه ملتقطا إياه .. يفتحه على عجل مؤملا أن يحمل له خبرا يطمئنه على أمه لكنه بدلا من ذلك يجد تلك الأوراق الصفراء .. يقرأ فيه:

لم يكن صباحا عاديا ذلك اليوم الذي استيقظ فيه ليجد نفسه فوق سرير لايرتفع كثيرا عن الأرض، وجوه يراها لأول مرة حوله. يلف المكان جو مشحون بالبهجة الرمادية، أناس يبتسمون ولكنها ابتسامات ناقصة بطعم مر ..  بالكاد يسمع همسهم ،، يصيخ بسمعه .. خليط من التهنئة ومشاعر الأسى الخفية، فرح مبتور تعجنه آهات اللحظة .. خرج الجميع ولم يبق معه إلا ممرضة تنظر إليه بطرف عينها وكأنها تنتظره أن يستيقظ فجأة ويغادر سريره في كمال عنفوانه..

يحرك يده ببطء .. يتحسس جسمه ، تنتبه الممرضة له ،، تحمل مرآة ليشاهد نفسه. رأى شخصا في المرآة ينظر اليه ، يحاول أن يتبين ملامحه .. فزع من رؤيته  .. تشير الممرضة بإصبعها تارة إليه وتارة الى المرآة وكأنها تريد أن تقول له شيئا .. أحس بالتعب .. عاد للنوم من جديد.

مرت ساعات قبل أن يستيقظ من جديد .. نفس المكان ولكن هناك سرير آخر في الغرفة معه، أحس بالعطش ،، بدأ يطلق صرخات مكتومة، لم تعد هناك الممرضة ،،.. يحاول أن يلفت الإنتباه ولكنه يعجز عن الحركة أو حتى الصراخ. كل مايستطيعه هو الأنين .. يلاحظه الشخص الراقد على السرير المجاور ، تطل عليه إمرأة تبدو في الثلاثين من عمرها .. تناديه بصغيري .. تقترب منه تلقمه ثديها، يقترب منه لاشعوريا ويمصه بتعب واضح.

مرت الأيام والأسابيع والمولود الجديد في حضن أمه .. مثل بقية المواليد، عيونه غائرة .. رأسه أصلع وحواسه ضعيفة وغير مكتملة النوم أو بالأصح هي قد تعدت نموها وجسمه صغير لكنه متكور وظهره أعوج وأصابعه ترتعش في يد برزت أوردتها فوق جلد متجعد وكأنه زاد عن مساحته ففاض حول جسمه.

سقط مرة من فراشه وهرعت إليه أمه مذعورة لتحمله .. بعد أن اطمأنت عليه تركته مع أخته الأكبر منه قليلا لتراقبه، بينما ذهبت هي لتطمئن على مزرعتها في وسط البيت الذي يقطنون فيه على أطراف المدينة. ربما عليها أن تغير من سكنها حتى تقترب أكثر من المركز فقد تقلصت المدينة كثيرا في السنوات الأخيرة وأصبحت الخدمات متمركزة في وسط المدينة، هكذا أخبرها أخوها الصغير ذي الشعر الأبيض والوجه الشاحب والذي هو الآخر في حاجة الى عنايتها به. معظم الأشجار أصبحت قصيرة بعد أن كانت طويلة باسقة في إشارة الى قرب نهايتها الطبيعية مثلها في ذلك مثل الإنسان في هذه البلدة .. يولد شيخا عجوزا ويبدأ في النمو ليصغر ويصغر حتى يصبح طفلا قبل أن تنتهي دورة حياته ثم يموت .. الأشجار تخرج فجأة من الأرض وهي بطول مترين أو ثلاثة، هناك نخلة لم ترها بالأمس وهي اليوم بطول خمسة أمتار منتصبة أمام غرفتها .. تبدأ في الذبول بعد ذلك والصغر حتى تعود للأرض في آخر عمرها .. تتسائل الأم الشابة لم بلدتهم الصغيرة تختلف عن البلدان الأخرى التي سافرت إليها وهي طفلة   ..
 
كيف حدث ذلك؟ .. مازالت تتذكر القصة التي رواها والدها عن تلك المدينة الغريبة التي لم يسمح لساكنيها بالخروج من حدودها كما لم يسمح لأحد بزيارتها .. هي مثل بقية المدن لولا أن فيها شيئان عجيبان يتعلقان بالجنس والطعام، إذ كان الناس في تلك المدينة يمارسون الجنس على المكشوف بدون شعور بالعيب والخجل بينما يختبؤن عند تناولهم للطعام  كي لا تراهم الأعين، ياله من وضع غريب مقلوب.. أصبحت المطاعم والمقاهي مكانا مفضلا عند الكثير للإلتقاء وممارسة الجنس علنا بدلا من الأكل والشرب في حين يختبئ الناس في بيوتهم عند الأكل بعيدا عن الأنظار وخلف غرف مغلقة .. كانت النتيجة زيادة في النسل غير منضبطة على حساب الصحة والبنية التي تردت كثيرا حتى انقرض السكان .. ذلك هو الجنس، إما أن يضيف عقدة في الحياة أو يحلها.

 في غمرة الفوضى التي عمت البلدة إستطاع زوجان- رجلان وامرأتان- أن يهربا من تلك المدينة العجيبة ليستقرا في وادي مجهول قرروا زرعه وبناء منزل لهم فيه، إستمرت حياتهم طبيعية أو هكذا ظنوا بعد أن إمتنعوا عن الوضع المقلوب الذي عاشوا فيه سابقا،، لكن الأمور لم تجري كما يشتهون فقد كانت المفاجأة التي انتظرتهم هي عندما رزقوا بمولودهم الأول والذي إكتشفوا حينها أنه غيرعادي حيث بدى في شكل عجوز طاعن في السن والأغرب من ذلك أنه مع مضي الوقت وبدلا من أن يكبر مولودهم إذا به يصغر  ... شيئا فشيئا تختفي التجاعيد من وجهه ،، يبدأ البياض في الإنحسار ليحل الشعر الأسود مكانه ،، يشتد عوده ويبدأ في الكلام. هل هوعقاب إلهي لتلك البلدة المقلوبة ؟ من يدري ،، الشي الأكيد أنها وقومها الحاليين من نسل ذلك الزوجين.

ليس كل المواليد مثل بعض فهناك من يولد وحواسه جيدة وهناك من يولد وهو بالكاد يمشي وهناك من يولد وهو يحبو ولكنهم جميعا يبدون عجائز مسنين تتفاوت بداياتهم  بين من يبدو في السبعين ومن يبدو في التسعين ومن يبدو فوق المائة. كبر مولودها الذي أسمته يحيى من حيث هو صغر حتى أصبح يبدو في الأربعين وهرمت الأم حتى عادت طفلا صغيرا ،، بينما توفي والده مبكرا. كان حديث سكان قريته فهو سليل عائلة مشهورة .. أبوه أحد وجهاء القرية وله إهتمامات بتاريخها العجيب وإستكشاف آثارها القديمة .. يقال أن هذا أحد أسباب تعلقه بزوجته وشغفه بها إذ يزداد إهتمام متتبع الآثار برفيقته كلما تقدم بها العمر .. لكن الحقيقة التي لا ينكرها أحد في هذه القرية هو أن تقدم الزوجين في السن يعيدهما الى مراحل العمر الأولى ويجعلهما يمران على مرحلة الشباب فالمراهقة والصبا التي يبدوان فيها في أحلى إطلالة وأجملها..

سمته أمه يحيى ليحيى .. هكذا قالوا عنه، لكنه على خلاف أقرانه لم يكن راضيا عن مسار حياته وإنما رغب بحياة أخرى سمع عنها ودفعه الفضول لمحاولة لمسها وحتى معايشتها. أرادت له أمه الزواج والإستقرار ولكن شئ ما في داخله يدفعه للخروج من هذا المكان الغريب. في ليلة حالكة السواد يخترق يحيى الحصار المفروض على بلدته من قبل أهلها ويغادرها الى العالم الخارجي .. لم يكن يعي خطورة عمله هذا الذي حذرته منه أمه مرارا عندما كان شيخا كبيرا في طفولته لكنه أيضا لم يضطر لتبرير غيابه أمام أمه فقد أصبحت طفلا لا تكاد تعي من الأمر شيئا .. كل ما يفصل بينه الآن وبين العالم من حوله هو مغادرة هذا الوادي المجهول على أطراف الغابة المنسية.

مع بزوغ الفجر كان يحيى خارج الغابة يسير في ليلة مطيرة وسط الحقول القريبة .. بدت له الأشجار غريبة وهي تنمو من جوف الأرض وكأن شيئا ما يشدها لفوق عكس ماهو في قريته.. توقف عند أحد المنازل الريفية ليلتقط أنفاسه .. سمع صوتا لإمرأة شابة تناديه من داخل المنزل طالبة مساعدته في إصلاح أحد الجدران التي أفسدها المطر .. يهرع يحيى إليها لتبدأ علاقة عمل بينه وبين العائلة الصغيرة المكونة من المرأة والرجل المسن المقيم معها.. توفر له العائلة الأكل والمأوى في حين يقوم هو بمساعدة ربة البيت في أعمال المنزل والحديقة.

حياة، نعم ذاك هو إسمها الذي يناديها به الرجل العجوز .. عمل يحيى في حديقة حياة وهو غير مصدق أن هذا الرجل المسن هو أبوها بدلا من أن يكون إبنها الصغير كما هو الحال في قريته .. لم تسأله حياة عن موطنه ولم يجد هو سببا لإخبارها. مضت أسابيع ويحيى مشغول بعمله الجديد حتى أتى ذاك اليوم الذي عاد فيه ليجد حياة وحيدة لتخبره بموت والدها .. أدهشه رباطة جأشها وهي تخبره عن موت أبيها المفاجئ له .. كانت تميل إلى الرضا والقبول وهي تطلب منه أن يسلفها كتفه لتبكي عليه:

- من المؤلم أن تفقد عزيزا لديك يا يحيى .. يتقطع قلبي ألما وحزنا جراء فقد من أحب. لكن أتدري .. بما أني لا أملك من فقدت فأنا في الواقع لم أفقد أحدا. تصور الإحساس بالحرية والإنطلاق الذي ينتابك عندما يكون عندك أهم شئ في هذا العالم من دون أن تتملكه .. كلما زاد تعلقنا بالأشياء يا يحيى كلما نقص مقدار ما نتنفسه من حرية.

 زاد إعجاب يحيى بها مع الأيام المقبلة .. كانت حياة في مثل عمره تقريبا، من ناحية المظهر الخارجي على الأقل، لم تكن جميلة بمقاييسه ومع ذلك وقع في غرامها. أيقن أنه لايستطيع الإستمرار معها وهو يكن لها كل تلك المشاعر المختلطة .. سيصغر في عينها بينما تكبر هي ولن يلتقيا أبدا سوى في هذه اللحظات .. هكذا قدر.

***

يتوقف حمود فجأة عن القراءة إذ لا يجد تتمة الرسالة .. يبدوا أن هناك أوراقا ناقصة قد سقطت .. يطوى الخطاب وهو مذهول. أيمكن أن تكون هذه الرسائل الغامضة من سعود يسلي بها عنه في هذه الأوقات العصيبة التي حصد فيها الوباء الآلآف من أهل بلده؟ هذا ليس خط سعود ولكن بإمكانه أن يملي على غيره لعله يريد أن يسلي عن نفسه هو الآخر. لا،.. لا يمكن لأن الأوراق تبدو قديمة وبالية أحيانا .. ترى مالذي يرمي إليه كاتب هذه السطور؟  أن بعض الناس يولدون شيوخا ومتى مابلغوا عادو أطفالا ؟ يجوز .. أو أن الفترة الوحيدة التي يتمنى الإنسان أن يكبر فيها هي عندما يكون طفلا ؟ وهذا ممكن أيضا .. الشئ الأكيد أنه لتبقى شابا عليك أن تتخلص من الزوائد في الحياة، أن تحتفط بأصدقاء مرحين ... أن تضحك بصوت عال ولمدة طويلة حتى يكاد نفسك أن ينقطع، أن تدع الحزن والألم والدموع تأخذ مجراها الطبيعي .. الشخص الوحيد الذي سيبقى معك هو أنت. أحط نفسك بمن تحب وأخبرهم بذلك الآن وليس غدا.

أفاق حمود من أفكاره تلك على صوت الجد في الحديقة وهو يلاعب حفيدته ياسمين مرددا :

بابا يا بابا ..
ولدت خريفا لتصبح ربيعا وتموت دادا  .. بابا يا بابا

يفكر حمود في كلمات النشيد الطفولي. هل له علاقة بما قرأه .. أيمكن أن يكون الجد قد إطلع على الرسالة أو أنه كاتبها حتى ؟ يلتفت الجد على حمود:

أبناؤنا، أحفادنا .. قد تحاول أحيانا أن تكون مثلهم لكن لا تحاول أبدا أن يكونوا مثلك. أسمعت خبر اليوم عن ذلك المسن السيلاني في كولومبو صاحب المتاجر المعروفة التي تبيع الأحذية .. لقد ترك نصف ثروته لخادمته الحجازية مع زوجها السائق بعد سنين من العمل قضاها الزوجان في بيت مخدومهما.

نهاية سعيدة لعلاقة عمل طويلة .. يعلق حمود.

- قد تكون نهاية ولكن سعيدة ؟.. هذا شأن آخر. السعادة ليست محطة نصل إليها أوجائزة نسعى لتحصيلها يا حمود بل هي مرحلة نعيشها وأوقات نقضيها .. هي تكمن في الرحلة نفسها وليست في صالة الوصول.

ماذا تقصد ؟ يتسائل حمود.

هناك من يظن أن عليه أن يفعل كذا وكذا ليصل الى السعادة وكأنها نقطة أو فاصلة على خط الزمن والقليل من يعي أن السعادة إنما تكمن في خط الزمن نفسه .. في تلك الأشياء التي نعملها وتلك الأمور التي نحبها وتلك الأحلام التي نتمناها .. في تلك الأوقات التي نقضيها للوصول الى نقطة السعادة المزعومة. كسب ذلك الزوجان العاملان بإخلاص عيشهما وقوت يومهما بما حصلا عليه من أجور بينما كسبا حياتهما بما قدماه لغيرهما وأعطياه.

نكسب قوتنا بما نحصل عليه ونحصل حياتنا بما نعطيه .. يردد الجد فيما هو يبتعد مع حفيدته.

الفصل الثالث

ليكن لديك الشجاعة لأن تعيش،
إذ بإمكان أي شخص أن يموت

روبرت كودي


إنتهى حمود من قراءة الخطاب الغريب وأخذ في التفكير. بدى الخطاب له وكأنه من نوع الذكريات التي قام صاحبها بتدوينها .. لكن أين صاحبها هذا ومن يكون ؟ ولماذا يكتب عن زمن مضي عليه مائتا عام تقريبا كما يظهر من التاريخ المثبت في البداية ، ثم لم يبعثها له هو بالذات  ؟ .. تزاحمت الأفكار في رأسه .. لم يفهم المقصود. ترك الخطاب جانبا وعاد لخطاب أمه يلثمه قبل أن يضعه تحت وسادته.

مرت الأيام سريعا، أتم فيها حمود إختبار القيادة العملي وحصل على إذن المرور كسائق ليصبح أكثر ثقة بنفسه وفي قدرته على تلبية طلبات منزل السيد. في الصباح وحين عودته لغرفته بعد توصيل الأولاد لمدارسهم كان عادة ما يشاهد رجلا مسنا يبدو في الستين من عمره ذو شعيرات بيضاء كثة تحيط برأسه الأصلع في حلقة دائرية كهالة مشعة تنتصب فوق جسد نحيل. يخرج الرجل من البيت الكبير ويمشى بهدوء نحو الحديقة الخلفية ليقلم الشجيرات القصيرة الإرتفاع ويشم بعض الأزهار .. بدا له سعيدا في مايقوم به. إقترب منه حمود يوما وهو يغالب فضوله ليعرف بنفسه:

أيوبوا ، أنا السائق الجديد حمود ..

السلام عليكم  .. مرحبا بك، قالها السيد بلغة عربية صحيحة دون أن يلتفت إليه. أتعرف أنك تستطيع أن تجلس في الظل اليوم لأن أحدهم قد غرس شجرة في زمن مضى  .. لابد أنك من نجد، أليس كذلك ؟
نعم، رد عليه حمود وهو محتار من براعته في الحديث بالعربية وتعرفه على منطقته ..

تحدثا لدقائق معدودة عرف خلالها أنه جد الأولاد شاهين وياسمين من جهة أمهم فهو والد المدام. كان لطيفا ودودا في تعامله .. أحس بالراحة وهو يجاذبه أطراف الحديث وكأنه يعرفه منذ زمن طويل.

مضت ثلاثة أشهر على قدوم حمود وها هو يستلم مرتبه لأول مرة من يد السيد فاروق حيث كان مدينا بالشهرين الأوليين لمكتب الإستقدام في الحسا .. كان مرتبه الشهري يساوي مايجنيه في الديرة لسنة كاملة هذا على إفتراض وجود عمل هناك. أخذ يتعلم القراءة والكتابة بأحد المدارس العربية الخاصة بالعمالة الأجنبية .. لم تخلو حياته اليومية من بعض المنغصات فهناك تظاهرة إجتماعية في الجزيرة يقودها بعض النشطاء ضد تواجد العمالة الأجنبية وخاصة القادمة من بلده.  تتعالى أحيانا الأصوات المطالبة بتقليل العمالة القادمة للجزيرة خاصة في ظل تزايد نسبة البطالة بين المواطنين السيلانيين.

كان جزءا من تلك الموجة نابعا من عنصرية بغيضة أو وطنية شريفة، بحسب زاوية الرؤية التي ينظر منها الرائي. لكن هناك أيضا أسباب أخرى تعود الى العمالة نفسها فقد قرأ عن مداهمات تقوم بها الشرطة بين حين وآخر لأوكار ومخابئ مخالفي انظمة العمل والإقامة وهذا يعني بالطبع أبناء قومه من جزيرة العرب. كانت تلك المخابئ تتخذ لممارسة أعمال أقل ماتوصف بأنها غير مشروعة وتتم في حارات مغلقة للعمالة الآتية من نجد وأخرى للقادمة من الخليج وأخرى للقادمة من الحجاز حيث يتكاثر فيها العنف والسرقة. أخبره صالح أن ينتبه لنفسه يوم العطلة الأسبوعية حين يذهب للقاء بعض أصحابه السائقين الذين تعرف عليهم في ذاك التجمع الكبير بوسط الحي القديم والمسمى بالبطحاء على أطراف مدينة كاندي الشرقية.

عندما عاد حمود الى غرفته تلك الليلة .. كان منهكا من التعب والمشي الطويل حيث لم يترك مكانا في البطحاء إلا وقد حاول أن يكتشف مرتاديه. غلبه النوم سريعا فلم ينتبه الى المظروف الملقى أمام الباب. مع تباشير الصبح يستيقظ حمود وهو يحس بثقل في رأسه .. لعله من أثر الدوران في البطحاء ليلة البارحة. يعد لنفسه شايا ساخنا ريثما ينتظر إفطاره .. فجأة ينتبه الى المظروف المتروك بعناية عند عتبة باب غرفته من الداخل. يحاول أن يتذكر .. لا، ليس اليوم بيوم البريد، إذن ماذا يفعل هذا المظروف هنا عند بابي .. ينحني ليلتقطه ويعاود رشف كوب الشاي.

أيمكن أن تكون المذكرات إياها .. نفس الكتابة ونفس الأوراق القديمة البالية .. يقرأ حمود

 إن العالم مسرح كبير، وكل الرجال والنساء الذين يعيشون فيه ممثلون... يدخلون ويخرجون طوال الوقت. وكل فرد يلعب، في زمنه أدواراً كثيرة

المخرج ينادي بأعلى صوته على فريق التصوير ليتخذوا مواقعهم فيما يستعد فهد لتأدية دوره مع بقية الممثلين. يؤدي فهد دور الدكتور أحمد الطبيب الإستشاري في المسلسل التلفزيوني اليومي غرفة الطوارئ .. لقطات من هنا وهناك يشترك فيها جمع من الممثلين يقومون بأدوارهم كما رسمها سيناريو الحلقة التلفزيونية المشهورة.

كت، كت ...  ينادي المخرج مرة أخرى معلنا نهاية التصوير لذلك اليوم بعد ساعات طويلة من العمل المرهق بدأها فريق التمثيل مبكرا هذا الصباح بينما هم الآن بعد العصر يتطلعون الى عطلة نهاية أسبوع طويلة  للراحة بعد أيام من العمل الشاق فالمسلسلات التلفزيونية متعبة بسبب إستمراريتها وحلقاتها الطويلة. أصبحت حياة الممثل جزءا من القصة بل إن بعضا من الممثلين يجد صعوبة في التأقلم مع شخصيات أخرى عندما ينتقل للعمل في فيلم أو مسرحية أخرى ماعدا فهد، فعقده الفني مستمر مع هذا المسلسل منذ سنتان وهي فرصة كبيرة له ليثبت وجوده في عالم التمثيل حيث أن حصوله على دور هام في هذا المسلسل، بالرغم من قلة خبرته، يعتبر مكسبا له وهو المبتدئ في هذه الصناعة مقارنة مع غيره من الطاقم.

تخرج فهد حديثا من معهد التمثيل وكان حلمه أن يصبح ممثلا مشهورا .. يبدو أن حلمه هذا بدأ يتحقق شيئا فشيئا. غادر الأستوديو الى موقف السيارات ليستقل سيارته الرياضية عائدا الى شقته الصغيرة. يلقي عليه التحية مأمور الموقف متمنيا له عطلة سعيدة، يناديه بالدكتور أحمد .. يبتسم فهد حيث أنه قد تعود على مناداة المأمور له بهذا الأسم. يحس فهد بالجوع فقد نسي تناول غداءه اليوم بسبب زحمة العمل .. يتوقف في أحد المطاعم ليتناول وجبة سريعة. يجلس في الطاولة المقابلة له أحد الزبائن مع طفله الذي بدا شاحبا ،، يرمق الرجل فهد بنظرات متفحصة ثم يقترب منه ..

بدون مقدمات، يشكو الرجل لفهد مرض إبنه:
إلتهاب في الحلق كما أخبرتني ممرضة المدرسة ،، ماذا تقترح يا دكتور أحمد ؟
يقترح فهد عليه بعض الوصفات الشعبية المتداولة من الشاي الأخضر متمنيا له الشفاء ،، يعيد الرجل وهو غير مقتنع من الرد وصف حالة إبنه طالبا في نفس الوقت وصفة طبية لصرف دواء له .. يعتذر فهد بأدب بأنه لايستطيع ذلك وعليه مراجعة العيادة.

إنظروا، ها هو الدكتور أحمد يرفض أن يصف علاجا لإبني طالبا مني أن أزوره في العيادة فالإستشارات عنده ليست بالمجان، أليس كذلك ؟ رافعا الرجل صوته.
أحس فهد بالحرج والضيق ،،
 ليس الأمر كذلك ولكنني لست طبيبا وأنت تعرف ذلك .. رد فهد.

ينسل فهد بهدوء مغادرا المطعم قبل أن يكمل غداءه فيما يقف الرجل متذمرا من صنيعه ونظرات الإستهجان تطارده من قبل الزبائن. يغادر فهد راكبا سيارته وهو متعكر المزاج ولكنه أكثر قبولا بحاله موقنا بأن تلك هي ضريبة الشهرة التي عليه أن يتأقلم معها خاصة وأنه في بداية حياته المهنية كممثل. من يدري .. ربما يصبح يوما كآل بشينو أو توم هانكس، يطارده المعجبون والمعجبات من أجل الحصول على صورة معه أو توقيع.

فجأة يجد فهد نفسه متوقفا في الطريق فالسيارات القليلة أمامه لا تتحرك، يسمع أحدهم ينادي من بعيد: إتصلوا بالطوارئ، ليتصل أحد بالإسعاف.  يحاول فهد أن يرجع باتجاه الخلف ليبحث له عن مسار آخر ولكن هناك سيارة أخرى قد توقفت خلفه مباشرة .. يجد نفسه الآن محصورا لا يستطيع التحرك بسيارته، ينتظر مع الآخرين. بعد دقيقتين يصرخ أحدهم في وجهه: الحمد الله .. بعثك الله لنا يادكتور أحمد، فيما رجل آخر يسحبه من يده وهو يجري مسرعا: هيا بسرعة، فالمصاب على بعد أمتار من هنا .. لاتنس حقيبتك الطبية. يمشى فهد بذهول بين الرجلين فيما أحدهما يلتقط شيئا من سيارته ،، حقيبة سوداء لايدري فهد من وضعها في المقعد الخلفي. وصل الجميع الى حيث المصاب ملقى على الأرض وامرأة تقف قربه تصلي لله بحرارة .. لم يعترض فهد هذه المرة على من حوله بل سار معهم وهو غير مصدق لما تقوده له رجلاه .. إنحنى سريعا على الرجل وتفحص مؤشراته الحيوية ببراعة طالبا من الآخرين ترك فسحة له مع المصاب. قام بإنعاش المصاب وتقديم الإسعافات الأولية له بنجاح. بدأ المصاب في الإستجابة لمن حوله.. إستجاب الله دعاء المرأة حين ظهر الدكتور أحمد في المكان المناسب وفي الوقت المناسب .. هكذا قدر الأشخاص المتجمهرون حوله.

عاد فهد الى سيارته بعد أن إطمأن على المصاب وهو يغادر في سيارة الإسعاف. وضع الحقيبة الطبية في المقعد الخلفي ثم استقر على مقعده. تنفس بعمق وهو يفكر، لم يستطع فهم ماحدث .. هل هي ردة فعل طبيعية للحلقات التلفزيونية التي يقوم بها يوميا .. ربما، لكن ماقام به مع المصاب والطريقة الإحترافية التي تعامل بها مع الموقف تفوق بمراحل ما يقوم به من تمثيل في الإستوديو.. ثم من أين له بتلك الحقيبة في سيارته ؟ وصل فهد لشقته وهو غير مصدق لما مر به هذا النهار .. كان متعبا فأخلد للنوم مباشرة.

الساعة الثانية بعد منتصف الليل والسكون يخيم على المكان .. نافذة غرفة فهد مفتوحة على الحديقة الخارجية وصوت حفيف الأشجار يضفي على الغرفة شعورا بالطمأنينة.  فجأة يرن الهاتف في شقة فهد .. من ذا الذي سيتصل به الآن وفي هذه الساعة المتأخرة ؟  يعاود النوم لكن رنين الهاتف يعود مرة أخرى ليوقظه .. يرفع السماعة متثاقلا: نعم ؟ يسأل فهد.

د. أحمد، د. أحمد ..؟ يتحدث الصوت على الطرف الآخر.
الرقم خطأ .. يرد فهد بغضب واضح.

د. أحمد، وصلت حالة طارئة تستدعي حضورك في الحال. د. خالد في طريقه للمستشفى وسيمرعليك بعد دقائق .. سيشرح لك التفاصيل. ينقطع الإتصال.

يغلق فهد الهاتف ويعود للنوم .. لابد أنها مزحة ثقيلة من أحد زملائه في الأستوديو، من يكون ياترى ؟ وفيما هو يفكر في طاقم التمثيل ويتخيلهم واحدا واحدا محاولا أن يصل الى صاحب هذه المزحة الثقيلة إذا بطرق متواصل على الباب .. ينزل فهد ليرى رجلا في لباس الأطباء واقفا على الباب: د. أحمد، ألم يتصلوا بك من المستشفى ليخبروك بمروري عليك ؟ هيا فقد تأخرنا  ..

يعود الرجل الى سيارته فيما وقف فهد مذهولا. يعود لغرفته .. أضاء النور ليرى ملابس ومعدات طبية في دولابه، كما كان هناك مراجع وكتب طبية مرتبة على أرفف مكتبته الصغيرة. يغير فهد ملابسه بدون تفكير ويخرج الى السيارة التي تنتظره في الخارج .. يتحدث معه السائق عن تفاصيل الحالة التي تطلبت تدخلهما ...  د. خالد، نعم كان هذا هو الإسم الذي تحمله البطاقة المعلقة على قميص من يجلس بجواره.

دقائق معدودة ويصلان الى المستشفى الرئيسي بالبلدة .. يدخلان سريعا الى غرفة الطوارئ ومن ثم الى مسرح العمليات بعد أن اتخذا الإجراءات المعتادة في مثل هذه الحالات. لم يكن المريض ممثلا بل هو ضحية حادث حقيقي وتلك الدماء يشعر بها حارة بين يديه وليست كتلك السوائل الحمراء التي يستخدمها المخرج في الإستوديو وهؤلاء الأطباء والممرضين حوله هم حقيقيون وليسوا ممثلين. توقف فهد لثواني معدودة محاولا إستيعاب مايجري .. طلب من الممرضة بقربه أن تقرصه على خده لعله يحلم فيستيقظ من هذا الحلم الثقيل .. فعلت ما أمرها به ظانة أنه أحد الطقوس الجديدة التي يستخدمها د.احمد قبل إجراءه لعملياته. لم يتغير شئ، وفجأة بدأت يدا فهد في العمل وهو غير مصدق لما يفعله .. لم يتحدث كثيرا بل كان يستمع الى المعلومات التي ينقلها له الفريق الطبي حوله بخصوص المريض .. كانت المعلومات تصله تباعا من كل صوب فيما يعمل عقله بسرعة هائلة لمعالجة تلك المعلومات وكأنه مدرب على مثل هذه الحالات. عمل فهد بدون توقف لساعتين وهو يقود الفريق الطبي لإجراء العملية الجراحية والتي إنتهت بنجاح تام .. خرج بعدها ليطمئن أهل المريض على حالته.

أمضى فهد يومان في المستشفى يراجع بعض الحالات البسيطة ويشرف على الحالات الصعبة، يعرفه الجميع بالدكتور أحمد. لايدرى من أين أوتي تلك المهارة وكأن سنوات من الدراسة والخبرة هبطت عليه فجأة من السماء .. لكنه فهد خريج معهد التمثيل وليس كلية الطب. ما علاقته بالمستشفيات وغرف الطوارئ سوى كونه ممثلا بارعا في أحد المسلسات التلفزيونية التي تدور أحداثها في غرف الطوارئ، لكن براعته تلك لاتتعدى التمثيل وتقمص الشخصيات والتعبير عن المشاعر والأحاسيس. مالذي يحدث له ؟ أهي حالة نفسية يمر بها، إنفصام في الشخصية مثلا ؟ أصبح يشك في نفسه، من يكون..؟! ربما هو د.أحمد فعلا .. لا، لايمكن هذا. يحدث نفسه، لو قبلت بذلك فسأخسر سنوات عمري كفهد، ولم لا ؟ سيكون هذا على حساب سنوات كسبتها من هذا الدكتور .. لكنني لا أريد أن أكون طبيبا فأنا فهد، أنا ممثل .. سأفقد عقلي إن لم أضع حدا لهذا الهذيان ..

كان كلما نام قليلا إستيقظ على أمل أن يعود كما كان .. فهد، ذلك الممثل في المسلسل التلفزيوني المشهوربغرفة الطوارئ ولكنه يجد نفسه في المستشفى محاطا بالممرضين والأطباء وليس في الأستوديو مع المخرج وفني التصوير. عاد الى شقته بعد أن أوشكت عطلة نهاية الأسبوع على الإنتهاء .. يوقفه شرطي المرور بسبب سرعته الزائدة، يطلب منه رخصة القيادة تمتد يده الى جيب معطفه ويسلم رخصته الى شرطي المرور: آسف د.أحمد لم أتعرف عليك يمكنك الذهاب، لابد أن مريضا في حاجتك الآن. تركه الشرطي يذهب في حال سبيله، نظر في رخصته وإذا به يقرأ اسمه مدونا: د. أحمد والمهنة طبيب. وصل شقته واتجه مباشرة الى دولابه في غرفة النوم، خطرت في باله فكرة لوضع حد لهذا اللامعقول .. سيستخرج شهادة تخرجه والتي تثبت أنه فهد، أحد خريجي معهد التمثيل. يخرج الشهادة بسرعة ويقرأ عليها: شهادة تخرج من كلية الطب .. أحس بصداع شديد، لم يعد يتحمل ما يحدث له.

يفيق فهد في الصباح متأخرا ويقرر الذهاب الى موقع التصوير بالأستوديو .. يصل الى موقفه الخاص ليجد سيارة أخرى تشغل الموقف، يبحث عن موقف آخر وهو متضايق من تصرف بعض السائقين الذين يوقفون سياراتهم في مكان غيرهم، يجد فسحة فارغة في المساحة المخصة للزوار. يترجل من سيارته ويتجه الى الأستوديو .. بدأ التصوير قبل وصوله، يبحث عن عذر يقوله للمخرج. يقف مع جمهور المشاهدين الذين يحضرون تصوير المسلسل، يسأل الجالس بقربه عن الممثل الإحتياطي الذي قام بدوره في هذه الحلقة، يجيب، ليس هناك ممثل إحتياطي فذاك هو فهد .. نفس الممثل الذي يلعب دور الدكتور أحمد منذ سنتان

الثلاثاء، 13 أكتوبر، 2009

تتمة الفصل العاشر


دخل عبدالله مكتب المحامي. يتأكد أولا من عدم وجود أجهزة كمبيوتر في غرف المكتب الصغيرة .. كان هذا هو معياره الوحيد الذي وضعه لإختيار مكتب المحاماة الذي سيترافع عنه. يشرح للمحامي وضعه .. يريد رفع قضية على قوقل التي سرقت منه حياته.

يراجع المحامي ملفه سريعا ..

التهمة: سرقة
المتهم: قوقل
الغرض المسروق: حياة
الضحية: تحول الى ماكينة بحث تغذيها أدوات المتهم
التعويض المطلوب: إسترجاع حياة الضحية

دعنى أكون صريحا معك من البداية .. لا تبدو قضيتك مشجعة.

يحس عبدالله بالضيق وبالغضب وبضياع وقته الذي كان بالإمكان أن يقضيه في زيارة مكتب محاماة آخر .. أصبح عبدالله في الآونة الأخيرة يثور لأتفه الأسباب ..

حاول أن تهدأ قليلا. بغضبك هذا يصبح العالم إما معك أو ضدك وأنت لاتريد ذلك .. لا تريد أن تختزل ألوان الطيف الى أسود وأبيض فقط. إن الهدوء و التفاؤل وأخذك للأمور بروية يجعلك ترى بقية ألوان الطيف الملونة المبهجة.

يهدأ عبدالله قليلا بعد سماع كلمات المحامي الذي يهم بإخراج شئ من جيبه.

- دعني أسالك سؤالا محددا ..

تفضل .. يجيب المحامي وقد إلتقط شيئا ما في يده.

- هل هناك فكرة، أي فكرة، خطرت ببالك ولم تخطر ببال أحد من قبل .. ؟

أأ .. يفكر المحامي مليا في السؤال.

- دعني أسهل عليك الأمر .. ما مدى صعوبة أن تجد فكرة أو كلمة أو إقتباس من كتاب أو صحيفة أو فلم أو مسرحية أو حدث وليس له مرجع على النت  ؟

أظن أن ذلك صعب جدا .. يجيب المحامي.

- إذن أنت تتفق معي أن الإنترنت أصبحت مستودعا هائلا للمعرفة البشرية وهذا المستودع يتزايد في حجمه كل يوم، كل ساعة .. بل كل ثانية.

نعم .. يرد المحامي فيما نظره معلق على يديه.

- لم يعرف الإنسان عبر تاريخه وقتا تخزن فيه المعرفة البشرية كما هي اليوم .. والمثير في الأمر ليس في مساحة هذا المستودع فحسب بل في الإمكانيات المتاحة والتي تسمح بفهرسة ذلك المستودع وتصنيفه والسماح بالإضافة له وربط أجزاءه وإسترجاع المعلومة من أرففه بضغطة زر.

أتدري أن هذه الطفرة في كمية المعلومات المتاحة وتخزينها وسرعة إسترجاعها يفوق قدرتنا على فهم قوانين جديدة للطبيعة. إن معرفتنا للظواهر الفيزيائية المحيطة بنا لا توازي الكم الهائل من المعلومات المتوفر لدينا، لذا سيصبح الإتجاه مستقبلا هو في ربط المعلومات وإستخلاص العلاقات بطريقة إحصائية بدلا من المعادلات الفيزيائية التقليدية والتي كانت سائدة لقرون مضت.

أتفهم شيئا مما أقول ؟ يسأل عبدالله والذي بدى وكأنه عالم فيزياء

يهز المحامي رأسه بالإيجاب فيما نظره مازال معلقا بما في يده.

خذ مثلا علاقة التناسب الطردي التي تربط بين المسافة والزمن عن طريق السرعة .. توصل لها الإنسان الأول بالحس والمشاهدة والإستنباط ثم أثبتها بالتجربة بعد تجميع البيانات .. يقطع مسافة محددة ويدون الزمن المستغرق. أما اليوم فشلال المعلومات يتدفق من كل صوب على الإنسان ويتركه غريقا في بحر لا يتوقف موجه الهادر .. ليس لنا إلا إستنباط العلاقات بين تلك المعلومات من أجل الوصول الى نظريات وقوانين جديدة ..

لكن مالنا ولهذا الحديث .. دعنا نعود الى قضيتنا .. لماذا ترى أن القضية خاسرة ؟.. آه ربما تعتقد أنه لوكسبنا هذه القضية فستتبعها ملايين القضايا المشابهة من الذين يريدون إسترجاع حياتهم ..

- أتسمع ما أقول يا حضرة المحامي ؟

ينظر عبدالله الى المحامي الذي كان منشغلا بقوقلة الروابط والعلاقات على كمبيوتره الكفي. يغادر عبدالله وهو يلوم  الساعة التى دخلت فيها القوقلة عالم البشر

الفصل العاشر

ما قوقل إلا شيطان كبير ..  ولكنه جميل
المؤلف


ياآآه .. يطلق حمود زفرة طويلة بعد أن إنتهى من قراءة الرسالة.

يتعجب من طول الرسالة هذه المرة وكمية الهموم والأوجاع التي تحملها .. أيمكن أن تكون الأوضاع هكذا وبتلك الصورة القاتمة ؟ لاعجب إذن أن تختفي تلك الثروات التي هبطت على أجداده مع إكتشاف النفط قبل قرنين من الزمان وتضيع من يدهم ليؤول الحال كما هو عليه اليوم .. بضع نخيلات تذروها الرياح في وسط الصحراء هنا وهناك بين الوديان والشعاب وتحت سفوح الجبال بحثا عن الحياة في قلبان تفيض ماؤها مرة ثم تغور مرة أخرى.

أخيرا يظن حمود أنه قد وجد تفسيرا لتحول الوضع في بلده. هو الآن يصدق كل تلك الحكايات التي سمعها من سعود ولمح لها الجد عن كون بلده – في وقت مضى - من أغنى الدول، ليس ذلك فحسب بل ويعتقد أنه ربما وجد تفسيرا لإنقلاب الحال بعد أن كانت بلده تعتلي القائمة بين الدول ذات الموارد والمداخيل ، لكن ماعلاقة التفكير المنغلق وبالذات الفكر الديني بهذا كله ؟ أكان أجداده الذين عاشوا وقت كتابة هذه المذكرات يدينون بدين آخر غير الإسلام الذي يعرفه؟ لا ، لا يبدو ذلك .. إذن مالذي حدث ؟ مالذي جعل الآفات والأمراض الإجتماعية، بالرغم من كمية الوازع الديني كما تشير اليه الرسالة، تستشري وتنخر في كيان المجتمع مع وبعد نهاية حقبة النفط ؟  لايجد حمود جوابا سوى أن يخلد إلى النوم بعد أن أتعبته عيونه من القراءة.

تتلقى المدام إتصالا من مكتب الإستقدام يخبرها بوصول الخادمة الجديدة لتحل مكان لطيفة التي هربت. تستدعي المدام حمود لتطلب منه أن يذهب من الغد الى مطار كولمبو لإستقبال الخادمة الجديدة ثم نقلها لبيت أخيها الذي لا يبعد كثيرا عن المطار. تنتشر في كولمبو وحول مطارها مكاتب للتعاقد مع الخادمات العربيات سواء كن نجديات أو حجازيات أو من أطراف الجزيرة في شمالها وجنوبها أو البلدان التي تقع على خليجها العربي.

سيذهب معك صالح،، ولكنك ستكون المسؤول عن الخادمة حتى إيصالها لبيت أخي .. تضيف المدام.

حاضر سيدتي.  يرد حمود

لا تنس، عليك العودة باكرا لأني وعدت الصغار برحلة الى سقريا  ..

حاضر سيدتي.

يعود حمود الى عمله وهو يساؤل نفسه هل قالت سقريا ؟ .. نعم، كأنني سمعتها تقول ذلك. ستكون فرصته للتحقق من الإحداثيات التي يحتفظ بها عن الكنز إن هو ذهب هناك، .. ترتسم نظرة تفاؤل ممزوجة بابتسامة رضا على وجه حمود وهو يرى نفسه يقترب قليلا من مبتغاه من دون تخطيط منه.

يغادر باكرا مع صالح الى كولمبو .. منظر أشجار جوز الهند وهي تحف بالطريق يبعث شعورا بالراحة والسرور إلا أن الراكبين الوحيدين بقيا صامتين طوال الطريق .. لم يعد يثق أي منهما بالآخر خاصة بعد أن اكتشف حمود أن صالح كان يراقبه من قبل الجد.

أعرف ما تفكر فيه ياحمود لكن خذها مني نصيحة .. يبدأ صالح كلامه المقتضب. قد يبدوا ذلك غريبا بعد الذي حدث ولكني أتمنى لك ياحمود كل خير، صحيح أنني كنت عينا للجد عندما طلب مني مراقبتك وأنت ذاهب للمكتبة .. أنت هنا للعمل، والعمل فقط .. إن كانت تراودك أفكار أخرى غير ذلك فأنت مخطئ ..  لم يرد حمود.

يصل الإثنان الى مكتب الخادمات المكتظ بالمراجعين. هناك العشرات من النساء يقفن متلاصقات في غرفة ضيقة .. يقتربان من أحد الموظفين الرسميين لإعطاءه بيانات الخادمة. ينادي الموظف على إحداهن. تقبل واحدة وهي تتحدث مع صاحبتها بلهجة حجازية ميزها حمود بوضوح .. تقدم أوراقها بأدب جم الى الموظف الذي ما أن نظر فيها حتى ألقى بها في وجه الخادمة وهو يصرخ فيها غاضبا مكيلا الشتائم لها ولأهلها ولقومها. لم تكن الخادمة تعرف اللغة السنهالية جيدا وذنبها هو أنها مدت يدها بأوراقها قبل أن ينتهي الموظف من أوراق التي قبلها. تحاول المسكينة أن تغالب دموعها .. ما أصعب الدموع التي تسيل وحيدة.

مرت لحظات عم فيها السكون القاتل أرجاء المكان، كان فيها صالح قابضا على يد حمود حتى لايقوم بعمل مجنون يندم عليه لاحقا .. هو يعلم أنه يشعر بالغيرة ويحس بحرارة الدم في يده وهو يرى إمرأة من بلده تهان أمامه ولا يحرك ساكنا. آآه، كم يود لو يلقن هذا الموظف الأرعن درسا لا ينساه في التعامل مع البشر. فجأة يقترب أحد الرجال من أهل الجزيرة الى الموظف ويتحدث معه بصوت هادئ يسمعه من بالجوار .. يلوم الموظف على فعله ويذكره بأن هؤلاء الخادمات سيصبحن بعد قليل من أهل بيوتنا، يرعين أولادنا ويطبخن طعامنا حسب كلامه .. تخيل الأذى النفسي الذي سببته لهذه المسكينة التي تركت أهلها وتغربت عن بلدها من أجل لقمة عيش قد لا تساوي فتات مائدتك أنت وأنا ممن نعيش على هذه الجزيرة المعطاء. يتابع حديثه الهادئ مذكرا إياه بأن لغة الدموع ليس لها هوية أو دين سوى المشاعر الصادقة التي لا تتلون بأي صبغة.

هدأت نفس حمود قليلا وهو يسمع هذا الكلام ..  وممن، من أحد رجال الجزيرة السيلانيين أنفسهم، لكنها عادت لتتأجج من جديد وهو يسمع الموظف يرد بصلف على الرجل: ومن أنت حتى تلقي علي بعظاتك ؟

أنا ضمير الأرض النائم الذي يذكركم بحفظ النعم .. يرد الرجل بثقة.

يجر صالح يد حمود لينسحبا من مواجهة لا تعنيهما حسب رأي صالح .. يتجهان سريعا لموظف آخر غير بعيد منهما يستلمان منه الخادمة الجديدة ويذهبان بها سويا لمنزل أخ المدام.

يبقى صالح مع أخو المدام بقية النهار من أجل إنهاء بعض الأعمال الخاصة بالسيد بينما يقرر حمود التجول في أسواق كولمبو وطرقاتها الداخلية قرب الشاطي ريثما ينتهي صالح من عمله. يسترعي إنتباه حمود وهو يمشي في أحد الطرقات بعض المكاتب المختبئة في أزقة كولومبو الغربية تفوح منها رائحة البخور مذكرة إياه بعبق العود الذي كان يضعه أبوه في مدخنة صغيرة أيام العيد الكبير بالديرة .. يقترب من أحدها والذي تعلوه لوحة باسم فك الرباط السريع ليجد شابا سيلانيا تشع عيناه بريقا غريبا فيما يجلس بالقرب منه شيخ تبدو عليه سيماء الوقار. هناك عمال من بني جلدته ينتشرون في المكتب الضيق .. يقترب منه أحدهم ليسأل بصوت خفيض إن كان يبحث عن عمل. يجيب حمود بالنفي ليجلس الإثنان خارجا يتحدثان فيما يخلو المكتب من الزبائن في هذه الساعة المتأخرة من النهار.

أتدري ما نوع الخدمة التي نقدمها؟ يسأل العامل.
لا بالطبع ولو أني أشك في أنكم قد تبيعون نوعا نادرا من البخور والأطياب.

يبتسم العامل وهو يسمع الإجابة، نعم نبيع ذلك ولكن نبيع شيئا آخر أكثر رواجا وربحا .. نبيع معلومات ونفك شفرات. أترى ذلك الشاب السيلاني الواقف هناك .. كان عاطلا عن العمل قبل سنتين وبعد أن يئس من الحصول على وظيفة قاده تفكيره الى طريقة يجني من ورائها دخلا كبيرا حتى قلده فيها المكاتب المجاورة لنا هنا.

يكمل العامل حديثه فيما حمود يستمع بفضول: مكتبنا يعمل بصناعة المعلومات ومعالجتها .. لاحظ الشاب إنتشار الخادمات اللاتي يعملن في البيوت وزيادة عددهن فتفتق ذهنه عن فكرة ذهبية يجني من ورائها الكثير. يقوم مكتبنا بشراء بيانات تلك العاملات والأسر التي يعملن عندها من مكاتب الإستقدام ثم يوحي الى صاحب المنزل التي تعمل فيه إحداهن، بعد تركها لعملها، بأن سبب مشاكله هو عمل من السحر قامت به الخادمة التي غادرت لبلدها وعليه أن يدفع مبلغا معينا لقاء فك ذاك العمل ..

ولكن، أليس هذا إبتزازا ؟ يسأل حمود ليتأكد مما يسمع.

سمه ما شئت .. بالنسبة لي فالراتب جيد هنا وأفضل بكثير مما كنت أجنيه عندما كنت أعمل سائقا مثلك عند أحد العوائل في نوارا إليا قبل أن أهرب من مستخدمي والتحق بالعمل هنا .. نقوم بمتابعة البيت المرشح للإستفادة من خدماتنا ونلاحظ المشاكل اليومية التي يواجهها أصحاب المنزل ثم نقترح عليهم بأن سببها هو خادمتهم التي كانت تعمل عندهم  بالإشتراك مع أحد الجن طبعا.

وهل يصدقون ما تقولونه لهم ؟ يسأل حمود وهو مندهش ..

هم في الواقع يصدقون ما يريدونه هم .. الكثير من زبائننا يبحثون عن الطريقة السهلة للتغلب على مشاكلهم .. تمريرها للآخرين.

تقصد الهرب منها لا مواجهتها، .. كيف هو العمل معكم ؟

أفضل مما تتوقع .. المشاكل، أقصد الزبائن في إزدياد، وكما تعلم لا يخلو بيت من مشاكل. أتدري أن معظم عملائنا هم من السيلانيين المسلمين لذلك تنتشر فروع مكتبنا في الأحياء المسلمة .. أتدري لماذا ؟ وقبل أن يكمل حديثه .. ينادي الشاب السيلاني على العامل للحضور فيما يغادر حمود المكان من أجل اللقاء بصالح.

في المساء وعند عودة حمود الى كاندي وحال دخوله غرفته يجد خطابا آخر ملقى عند عتبة الباب .. يأخذه على عجل ويفتحه ليقرأ:

آآآه ... زفرة عميقة تخرج من جوف عبدالله فيما هو يأخذ وضع الإسترخاء على كرسيه الوثير بينما يجلس في الطرف الآخر من الغرفة طبيبه النفسي وكله آذان صاغية .. يلاحظ الطبيب أصابع يدي عبدالله وهما تتحركان يمنة ويسرة على ركبتيه وكأنهما تبحثان عن أزرار في لوحة مفاتيح لتدوس عليهم.

مشكلتي يادكتور مشكلة عويصة .. أصبحت تعيقني عن القيام بواجباتي. هل فعلا أنا مريض ؟ يسأل عبدالله بتحسر .

كلنا مرضى يا عبدالله.
كل حي مريض  .. الصحة هي الإستثناء ،، هي إستثناء خادع إذ يجعلك تشعر وكأنه القاعدة، بينما لو نظرت حولك لوجدت أن السكون والموت هما القاعدة وأن الحياة هي الطارئ. على أية حال، حدثني عن حالتك الغريبة كما تقول ..

بدأت الحالة معي منذ سنين يادكتور. كانت خفيفة وبسيطة في البداية .. أيام الدراسة في الجامعة. أتذكر أول ما أتذكر درس اللغة الإنجليزية .. أذهب في الصباح الباكر لمبنى السنة التحضيرية لشراء كوب من القهوة الساخنة مع قطعة من الكعك البارد واترك الفلوس على الكاونتر ليلتقطها البائع .. الله على تلك الأيام. قالها عبدالله بحرقة، فيما عادت أصابع يداه للحركة مرة أخرى.

أتدري يادكتور أن الفلوس وسخة .. أول مرة سمعت فيها هذا الكلام من أمي رحمها الله. كان أبي يدعوني لغرفته كي أساعده في عد الفلوس التي يحضرها معه من متجره وعندما أنتهي تلاحظني أمي وتطلب منى غسل يدي معللة ذلك بأن الفلوس تحمل أوساخ الناس معها وتلوث بها الورق الذي تطبع عليه .. هي كالسماد عليك أن تفرقها وإلا آذتك برائحتها العفنة.

وسخة، عفنة .. ومع ذلك فهي عز الطلب. لنعد الى موضوعنا .. كيف بدأت معك الحالة ؟ .. يقاطعه الطبيب.

كنت طالبا متفوقا في دراستي ومتميزا عن أقراني بكثرة حفظي. أحببت مادة اللغة الإنجليزية .. ربما بسبب معلم المادة. كان درسنا يقتضى فيما يقتضيه حفظ  بعض الكلمات الجديدة كل يوم وطريقتنا في ذلك إستعمال القاموس لإيجاد معنى الكلمة بأنفسنا وفي لغتها الأم. كانت القواميس التي توزعها علينا الجامعة في ذلك الوقت باللغة الإنجليزية .. سميكة وذات حجم متوسط ، يسهل حملها وتصفحها .. كولينز، نعم أظن ذاك هو إسم القاموس ذو الغلاف باللون البرتقالي. أتذكر غضب المعلم المكتوم حينما يخبره أحدهم بأنه نسي قاموسه .. لم يقبل بالمشاركة مع الغير. كان على الذي نسي نسخته العودة في الحال الى مقر إقامته لإحضار قاموسه.

يأخذ عبدالله رشفة من كوب الشاي ويتابع حديثه ..

كم أحببت ذاك القاموس .. لم أخش أن أنساه مرة أو أفقده. تعودت على فتحه وتصفحه عدة مرات في اليوم الواحد، أقربه من أنفي لأشم رائحة ورقه المعتقة .. أصبح رفيقا وفيا لي في تلك الأيام السعيدة من السنة الأولى وما بعدها. كنت أبحث عن معنى الكلمة في ترجمتها الأصلية ، لكن  ..

لكن ماذا ؟ يستدرك الطبيب.

لكن الوصول الى الكلمة التي كنت أبحث عنها يستدعي فتح القاموس وتصفح أوراقه لتتبع الكلمة ..

شئ بديهي ، وإلا فكيف ستعرف المعنى ؟ يعلق الطبيب.

دعني أكمل من فضلك .. يرد عبدالله  وهو متضايق.
عفوا على المقاطعة ،، تفضل .. قالها الطبيب وهو يحس ببعض الحرج.

رحلة البحث عن الكلمة التي أبحث عن معناها لم تكن سهلة. لم يكن العيب في ترتيب القاموس وتنظيمه أو نوعية ورق الطباعة .. إنما العائق هو أنا. نعم، هي نفسي التواقة للمعرفة .. معرفة مالا تعرف ،،  أنا السبب، حيث كنت أتوقف كثيرا قبل أن أصل لمرادي .. أتعرف لماذا ؟ كنت أتوقف لأني أود معرفة معنى بعض الكلمات التي يقع عليها ناظري وأنا أتصفح القاموس، وما أكثرها من كلمات تعترض طريقي قبل أن أصل للكلمة التي أبحث عنها. كنت قارئا نهما وباحثا شغوفا لا أعرف الملل، وكانت هذه الوقفات تؤخرني بالطبع ولكنها لم تفقدني صوابي كما هو الحال الآن .. ربما لأني كنت شابا يافعا وقتها أو ربما  هو شعوري آنذاك بأني كنت أستفيد من تلك الوقفات حيث أضيف رصيدا جديدا لمخزون كلماتي .. المهم أننى لم أمانع وقتها من هذا الإستطراد وتلك التحويلات التي كانت تعترضني أثناء دراستي.

حسنا .. ثم ماذا ؟ يسأل الطبيب محاولا الوصول الى تقييم أفضل للحالة التي أمامه.

بعد تخرجي من الجامعة والتحاقي بالعمل، كنت كثير التنقل لحضور معارض ومؤتمرات عالمية يتطلبها مجال عملي مما يستدعي أن أكون على إطلاع دائم لكل ما تقذف به المجلات من أخبار عن منتجات أو تقنيات جديدة. أذكر أن الجرائد كانت تتكدس في مكتبي وكأني في سباق محموم لإنهاء ما بدأته اليوم قبل أن تصل أعداد الغد .. أنام وأصحو على رائحة الورق، حتى أحلامي كانت تظهر لي على شكل حروف مرصوصة بعناية في مطويات ملونة ..

 كنت أقرأ كل مايقع عليه ناظري. أذكر مرة أني إنتهيت من قراءة الصحف والمجلات بالمقهى القريب من مكتبي وعندما لم أجد شيئا أقرأه شرعت في قراءة الكلمات الصغيرة المطبوعة على علبة المشروب أمامي .. إذ لم أجد غيرها. أصبحت أشترك في ملخص الملخصات وأقرأ عناوين البدايات وأراجع رؤوس الأقلام ومع ذلك ظننت أن الوضع بالنسبة لي تحت السيطرة، أو هكذا قدرت،   حتى ..

 يتوقف قليلا عبدالله قبل أن يكمل ..

 حتى  حدثت الطامة الكبرى والزلزال الأعظم ..

تزداد حركة أصابع عبدالله يمنة ويسرة فيما هو يكمل حديثه ..

ظهرت الإنترنت في عالمنا. كان ظهورها متزامنا تقريبا مع ظهور القنوات الفضائية التي تملأ الأثير.عشت كغيري حالة من الفضول للتعرف على هذا القادم الجديد .. كل ماتحتاجه للإبحار في هذا العالم  هو خط هاتف ومتصفح. كانت البداية كغيرها من البدايات بسيطة ومتواضعة لكن سرعان ماتحسنت الخدمة والخطوط الهاتفية وسرعة الإتصال وقبل ذلك كمية ونوعية المحتوى .. أصبح هناك فعلا ما يستحق قيمة الإتصال الهاتفي .. ثم ،

ثم ماذا ؟ يسأل الطبيب بانتباه .

يعتدل عبدالله في جلسته ..

ثم بدأ هذا الطوفان الهائل من المعلومات يغمرني بموجه المتدفق اللا متناهي .. أصبحت كمن يقف أمام مد طاغي محاولا التعلق بشئ ثابت كي لا يجرفني في طريقه.. عرفت لاحقا أنه ما من شئ ثابت يمكن التشبث به، بل هي قشة خلتها مصدة أستطيع أن امسك بها ثم تلاشت في ذاك الطوفان .. تلك القشة كانت وسائل إدارة الوقت وتنظيم الأعمال وتوزيع الأدوار والمسؤليات التي تعلمتها وجربتها بدون فائدة. فاق الأمر طاقتي على التحمل يادكتور  ..

يكمل عبدالله حديثه فيما الدكتور يتمتم ببضع كلمات وهو ينظر الى شئ ما أمامه..

الوضع مع كمبيوتري وأنا أبحر في عالم الإنترنت أشبه بحفلة صاخبة تقام في بيتي وداخل مكتبي أوغرفة نومي .. تتراقص فيها الكلمات مع الصور ويتناغم فيها الصوت مع الفيديو .. حفلة ليس فيها داعي ولا مدعو يختلط فيها الجميع وينهل منها الجميع بدون توقف. أحس أحيانا وكأني طفل رضيع يحاول أن يروي عطشه بالشرب من خرطوم هائل ينطلق منه الماء تحت ضغط شديد، أو كقارب صغير هش وسط  محيط هادر تتلاطم فيه الأمواج من كل جانب وهو يبحث عن مرفأ آمن. 

أتدري يادكتور أنه عندما أرى لمبة الإنترنت مضيئة باللون الأحمرعلى جهاز المودم مشيرة الى تعطل الخدمة مؤقتا أحس بمغص في بطني لا يزول حتى أرى اللون الأخضر يعود مرة أخرى .. حتى ولو لم أكن في حاجة للدخول على الإنترنت، فمجرد الإحساس بأني مقطوع عن الإنترنت يصيبني بنوع من .. لا، ليس الإحباط ولكن لنقل عدم الإرتياح وكأن شيئا ما ينقصني. الم يسبق لك أن شعرت بمثل ذلك الإحساس يادكتور وأنت مقطوع عن الإتصال بالإنترنت؟

يهمهم الدكتور ببعض الكلمات وكأنه يقرأ شيئا ..

لا أستطيع الفكاك من بريدي الإلكتروني والذي كنت أتابعه يوميا ثم أصبحت أفتحه كل ساعة والآن لا أستطيع البقاء عشر دقائق متواصة دون أن ألقي نظرة على بريدي. أشعر بنوع من الحكة في يدي بل وحتى في رأسي تجبرني على النظر الى صندوق البريد كل لحظة .. علقت بعض المنتديات وتولعت ببعض المواقع التي لا أطيق الصبر عنها .. أشعر وكأن يومي ناقصا ذاك الذي لا أمر فيه عليها.

يتابع عبدالله حديثه فيما يبدو الدكتور هادئا في جلسته.

أصبحت أقوقل كل فكرة تخطر ببالي .. نعم أضعها في محرك البحث قوقل. شاهدت فيلما البارحة عن البؤساء لمدة ساعة ونصف قضيت بعدها ثلاث ساعات أخرى على الإنترنت وأنا أبحث تحت عناوين تدور حول المؤلف فيكتور هيجو والذي قادني الى عناوين أخرى ..عن الثورة الفرنسية ومبادئها ثم عن الشخصيات التي إرتبطت بها من مثل ماري أنطوانيت .. وهكذا أصبحت أنتقل من عنوان لآخر ومن شخصية لأخرى ومن فكرة لأختها حتى كلت عيناي من التركيز على شاشة الكمبيوتر وكدت أسقط عن مقعدي من التعب ..

لا أستطيع الآن أن أكمل برنامجا تلفزيونيا أو أنهي مقالة في جريدة أو أسمع حديثا دون أن تتحرك يداي على لوحة مفاتيح الكمبيوتر تبحث عن كلمة أو فكرة خطرت على بالي .. أحيانا أكون خارج البيت أو المكتب وتمر على بالى خاطرة ثم أستعجل الطريق لكي أصل الى جهازي كي أبحث عنها. أصبحت أترحم على أيام الجامعة الأولى .. على أيام القاموس عندما يتوقف ناظري عند بضع كلمات .. أصبحت حياتي بأكملها هي المتوقفة الآن. أتدري ما أنا عليه ؟  .. أصبحت محرك بحث هائل .. نعم، هذا هو بالضبط ما أنا عليه الآن .. محرك بحث هائل برجلين ويدين ورأس وعينان تدعى عبدالله ..!

أرجوك يادكتور أن تجد لي علاجا لهذه الحالة وان تعيد لي حياتي التي فقدتها.  قل لي بالله عليك أن وضعي ليست مستعصيا وأن محرك البحث الذي أصبحت أعيشه يمكنه أن يتوقف أو على الأقل يبطئ قليلا  .. إبعث الأمل في نفسي ..

دكتور، .. أتسمع ما أقول ؟

لم يكن الدكتور في وضع يسمح له بالرد أو حتى بالتواصل مع عبدالله .. إذ كان هو الآخر مستغرقا في قوقلة شئ ما على الإنترنت .. بدى وكأنه قد توقف تماما عن الإحساس بما حوله .. سقط في فخ القوقلة.

حتى أنت يا دكتور،، .. قالها عبدالله وهو يهم بمغادرة العيادة من دون أن يحس به الطبيب

الأحد، 27 سبتمبر، 2009

تتمة الفصل الثاني

عالم من المتناقضات ..

اليوم: الأحد
الشهر: الثالث
العام: 2004

صوت الموسيقى يصدح عاليا .. رأسه يتمايل مع صوت الست. يجرب بعض السيديات الجديدة التي اشتراها حديثا ،، تقاسيم مرسيل خليفة .. لا ، ليس هذا وقتها .. فترة بعد الظهر يناسبها فن بحري من الخليج ، صوت عبدالله فضالة مثلا أو ربما عوض في عذروب خلي ..
وصل الى النادي ،، شرع في تبديل ملابسه ثم اتجه الى صالة تمارين التحمية. يسمع أصوات طقطقة الأصابع وارتطام الأجسام بالأرضية الخشبية ،، هناك من يقوم بالجري حول المضمار وهنا بعض الشباب يقومون بتمارين التنفس الإيروبك. كل هذا يدور في صمت تام .. صمت غريب لايقطعه سوى أصوات البشر وهي تتنفس عاليا وإصطكاك الأقدام بالأرضية اللينة. سأل رفيق دربه سعد إن كانت أجهزة الستيريو متعطلة.

ينظر إليه سعد بابتسامة خبيثة ،، ألم تسمع ؟
أسمع ماذا؟ يرد أنس.
تم إصدار فتوى بتحريم الموسيقى .. يجيب سعد.

لم يستوعب الفكرة جيدا ،، إذ أن الموسيقى كالعصفور يمكن وضعه في قفص لكن لا يمكن منعه من الطيران.

أثناء التدريبات ،، تابع سعد شرحه. أثناء التدريبات فقط .. لن يمنعك أحد من الإستماع وأنت في السيارة عند حضورك للنادي ولكن بعد ذلك لايجوز وأنت تمارس تدريبات الإيروبيك.

وماذا عن صوت الصفارة ؟ أصدر فيها شيئ  هي الأخرى أم هي حلال ؟ قالها أنس وهو غير مصدق ..
لم يرد سعد معتبرا ذلك تهكما من صديقه.

غادر أنس النادي في سيارته الرياضية المكشوفة الغطاء وأدار الراديو على موجة ال إف إم المفضلة لديه وكان البرنامج عن أفضل عشر أغاني لهذا الأسبوع .. معظم المصوتين من بلده. هاتفه الجوال يرن بنغمة حديثة لأصالة ،، على الطرف الآخر صديقه سعد يطلب مقابلته في ستاربكس من أجل  التخطيط لرحلة البحرين في نهاية الأسبوع.

كان الطريق مزدحما كالعادة على جسر البحرين .. لم يضايقهم ذلك كثيرا فقد كانت شهيتهم مفتوحة للأفلام خاصة وأن هناك الكثير من العروض الجديدة التي نزلت حديثا، بعضها حاز على جوائز الأوسكار الماضية. إتجها لسوق السيف ،، وعلى السينما رقم 2 مباشرة. المكان ملئ بالعوائل السعودية .. أصبح هناك تحول واضح في نوعية مرتادي السوق فبعد أن كانت رحلة البحرين مقتصرة على الشباب كما يذكر أنس قبل بضع سنوات، أصبح الرواد من العوائل وما أكثرهم.  يقف أنس في طابور طويل يزاحمه الأطفال الصغارمع أمهاتهم عند شراءه للفشار ،، هنا تنوع غريب في اللباس والسلوك يلاحظه على السعوديين بشكل خاص. لايجد نظرات التفحص التي إعتادها في أسواق الرياض، بل الكل يمشي في حال سبيله. تتشابك أيدي أصحاب الشمغ الحمراء مع صاحبات العباءات السود وهم يدفعون عربات أطفالهم أمامهم .. يبدوا الناس أكثر انبساطا وأقل وجوما مما هم عليه في بلده. هل لغياب الرقيب الأخلاقي دور في ذلك ،، أليس من المفترض العكس؟

مازالت الأفكار تمر بسرعة في رأسه .. يشك في أن هناك إتفاقا شفهيا من نوع الجنتلمان أقريمانت بين المسؤولين البحرينين وبين التيار الديني المتشدد في بلده لتبقى السينما ممنوعة في السعودية وبذلك يستفيد الإقتصاد البحريني من الأموال التي تفد الى المنامة. خذ عندك،  وبدأ يحسب: 55 ريال للمرور على الجسر ذهابا وإيابا، مشاهدة فيلمين لعائلة صغيرة من 4 أشخاص تتطلب 240 ريال وسكن لليلة واحدة فقط يتطلب ما لايقل عن 750 ريال .. أي تحتاج الى أكثر من ألف ريال على أقل تقدير ومع معدل ألف سيارة يوميا على الأقل فهذا مليون ريال يوميا على أقل تقدير يتم صرفه هنا عدا التسوق و الطعام و ... قاطعه صوت سعد يدعوه للإسراع وإلا فسيتأخرون على الفيلم الذي بدأ عرضه.

يلتفت أنس الى صديقه وهم في طريق العودة بين أرتال السيارات السعودية العائدة لبلدها ويسأل بكل براءة: أليس من الأوفر، إقتصاديا أقصد، لو كان عندنا دور سينما بالسعودية ؟
يتعوذ سعد بالله من الشيطان الرجيم ..

ولم لا ؟ يكرر أنس تساؤله.
ربما، ولكن لا اقبل ولن أقبل بذلك ..
ولم لا ؟ يعيد أنس تساؤله.

هذه دور لهو ومجون ..
ومن قال ذلك ؟ يسأل أنس.
هكذا تعلمنا ،، يجيب سعد.

تقصد علمونا .. لكن ما رأيك أنت، أليس لك رأي خاص بك؟  يتسائل أنس.
الرأي هو رأي المشائخ أما أنا فلا يهم رأيي .. المهم أن دور السينما هذه لاتجوز عندنا.

- يعني تجوز هنا في البحرين ولاتجوز عندنا بالسعودية !!
- نعم ، .. السعودية بلد الحرمين، لا يصح فيها مثل هذه الدور.

- يعني البحرين بلد الشرين ونحن بلد الحرمين ؟

- لم أقل ذلك .. قلت السعودية بلد الحرمين ولها خصوصيتها.
- حسنا .. لماذا أهل الخصوصية ينزعون خصوصيتهم ويذهبون الى البلد التي ليست لها خصوصية ليقضوا وقتا غير خصوصي هناك !؟ قالها أنس بتهكم.
- كل إنسان حر فيما يختاره .. يرد سعد بثقة.

إنسان، حر و إختيار .. يتأمل أنس في هذه الكلمات الممتلئة وما تحمله من معاني وإشارات في بلده.

سعد مثله مثل الكثير من قرناءه ،، قضى فترة طويلة من عمره وهو يتلقى رسائل متباينة بل ومتناقضة من المجتمع الذي يعيش فيه .. إن كانت السينما حرام كما يقال له فلماذا يتكبد هو والآلاف غيره عناء المشقة والسفر والمصاريف من أجل شئ محرم ؟ وإن كانت حلالا فلماذا لا يكون في بلده منها نصيب،، خاصة وأن مايعرض فيها لا يختلف كثيرا عن ما يعرض بالتلفزيون بل ويقل عنها أحيانا كثيرة في مشاهد العنف والجنس.

 حتى الإستماع الى الموسيقى يفعله سعد وهو يحس بتأنيب الضمير .. فقد نشأ مثل غيره على حرمة الإستماع لها ومع ذلك لايستطيع إلا أن يستمتع كأي إنسان طبيعي سوي بسماع اللحن الجميل، يالها من نعمة تلك هي حاسة السمع التي وهبها الله لخلقه .. ماذا يجعل ذلك من سعد؟ أيجعله إنسانا مترددا، قلقا، غير مستقر بسبب ذلك الصراع الذي يعيشه. على العكس من ذلك يجد أنس نفسه أكثر طمأنينة مع نفسه ولكنه هو الآخر يشعر بقلق .. قلق أنس من نوع آخر فهو يعيش في عالم لايسمح له فيه باستعمال عقله إلا بحدود، وحدود ضيقة جدا، فبالرغم من نشأته في نفس ظروف سعد تقريبا إلا أنه لا يجد صعوبة في تقبل حياته كما هي، فهو لا يعتقد أصلا بحرمة الموسيقى ولا حرمة السينما وفي نفس الوقت يحس بطمأنينة مع خالقه.

هناك شئ ما في تلك الأصوات التي يعشق سماعها يخاطب النفس ... خذ صوت فيروز المفلتر في أعطنى الناي وغني، يحس أنس بتلك الألحان وكأنها تخاطب روحه. هل يمكن أن تكون تلك الأنغام الروحانية شيئا محرما ؟ مالفرق بينها وبين أصوات الطيور أو خرير الماء أو حفيف ورق الشجر ،، هل الفرق هو في طول الموجة أم في التردد ؟  وماذا يعني ذلك ،، هل يمكن تحديد الأصوات التي تعلو أو تنخفض ذبذباتها عن كذا ذبذبة (هرتز) مثلا بأنها محرمة ؟ ،، أيعقل هذا الكلام ؟ ولم لا ؟ انظر للخمر .. مالفرق بينها وبين المشروبات الأخرى غير درجة التخمر وبذا أصبحت حراما وغيرها حلالا زلالا. هل يمكن أن نحدد درجة للتخمر في الموسيقى ونقيسها بطول الموجة أو ترددها (الهيرتز) لنقول هنا يحصل السكر؟ هل موسيقى فيروز تسبب السكر ؟ (ربما سكر لا يفقد معه المستمع عقله) .. ..  تصور غريب.

ثم ماذا عن تلك الأفلام التي يشاهدها في السينما، أليست هي الأخرى تأخذه من عالمه المحدود إلى عوالم أرحب، بل إن مدى نجاح  الفيلم في نظره هو في قدرته على الولوج به إلى عوالم أخرى من صنع المخرج. كم من مرة تحدث لصديقه سعد بذلك ليخبره بأن هذا ضياع للعقل .. ولم لا مادام أنه بالحلال كما يريد .. كم هي محبطة هذه الحياة التي تحتاج الى الخروج منها مؤقتا لبعض الوقت .. ألا يكفي النوم لفعل ذلك ؟ ربما لا.

لكن هناك من لايقيم للعقل وزنا أصلا أو ربما يكفيه عقول الأولين الذين يرى البعض منهم أن القرآن ينص على حرمة الموسيقى  في قوله تعالى " ومن الناس من يشري لهو الحديث ...." فسره البعض بأنها الموسيقى ،، ولكنهم أجازوا صوت الدفوف، بل إن البعض وفي بلده أيضا ممن حرم الموسيقى ولكنه أجاز الموسيقى العسكرية ،، مالفرق؟ هل كان أولئك الذين حرموا الموسيقى وأجازوا الدفوف يفضلون الإيقاع على الوتريات مثلا ؟ تصور فتوى تحدد نطاق الموسيقى الحلال بين ترددين محددين بالهيرتز !!

قرر أنس وسعد أن يقضيا يوم الجمعة في الخبر على أن يكملا مشوارهما للرياض مساء. على عكس سعد الذي بقي نائما في الشقة التي استأجراها، ذهب أنس لأحد الجوامع القريبة ،، وصل متأخرا قليلا حيث أوشك الخطيب أن ينهي خطبته الأولى. السيارة التي أمامه تمشي ببطء وفجأة تتوقف أمامه وينزل منها صاحبها متوجها للمسجد دون أدنى إعتبار للسيارات التي خلفه ،، ينظر أنس في المرآة ليجد السائق خلفه يفعل العمل نفسه .. فجأة لم يعد للطريق أي معنى. هل يعني هذا أن تختفي أي قيمة للحياة حين حضور الصلاة ؟ لم لا .. كله يهون حين سماع النداء للصلاة، هكذا أخبره سعد مرة.

 توقف أنس إذ لم يستطع الإستمرار أكثر أو الرجوع ، نزل كغيره باتجاه ساحة المسجد المكشوفة في الخلف. لاحظ أن هناك موقفا خاصا لسيارة الإمام ، تقف بها سيارة فخمة أمريكية الصنع وبها طقم من الشمغ الحمراء الإنجليزية مصفوفة بعناية وكأنها وضعت كهدية. كان الجو قائظا فيما صوت ماكينات التكييف الكورية الصنع تختلط مع صوت الإمام وهو يصب لعناته عبر ميكروفون ياباني الصنع على الأمريكان والأوروبيين النصارى منهم واليهود والآسيويين البوذيين والهندوس والسيخ والعلمانيين والليبراليين والقوميين والمجوس والملحدين، والناس تؤمن خلفه بحرارة ..  فكر أنس إن بقي أحد لم يتم لعنه من قبل الخطيب. بعد الإنتهاء من الصلاة سمع أحد الشباب خلفه يتحدث بحماس مع رفيقه عن خطبة الشيخ العصماء التي كانت عن أهوال يوم القيامة وأحوال البعث والنشور .. قاطعهم أحد المسنين الذين تقاطر وجهه عرقا من الحر الشديد: ويتوعدكم بالمسيح الدجال في الخطبة القادمة ! قالها بحرقة وهو يغادر مكانه.

في طريق العودة للرياض قص أنس على رفيقه مشاهداته عن خطبة الجمعة، أخبره سعد أنه حضر خطبة الجمعة قبل أسابيع في الجامع الكبير بالرياض وكان موضوع الخطبة عن الصدق والأمانة وعندما غادر الجامع لم يجد نعليه فقد سرقت. أما أطرف ماسمع فكان عن جارهم الذي ذهب للجامع ليجد الخطيب يتحدث عن صفة الوضوء .. يتسائل جارهم حينها كيف حضر المصلون، ومعظمهم من الكهول، الى الجامع لأداء الصلاة إن لم يحسنوا الوضوء بعد كل هذا العمر.


الفصل الثاني

العالم كتاب ..
نصيب من لم يسافر منه صفحة واحدة فقط

سانت أوجستين


وصلت الرحلة الى كولمبو بعد رحلة قصيرة توقفت فيها قليلا بالبحرين لأخذ المزيد من الركاب. في صالة المطار يقف حمود مع المسافرين القادمين من نجد والحجاز وخليج العرب في طوابير طويلة حاملين حقائبهم الصغيرة في أيديهم وعلى أكتافهم بينما ركاب المقصورة المميزة من السيلانيين والهنود والصينيين والماليزيين والفيلبينين والتايلنديين يدخلون عبر بواباتهم الخاصة بيسر وسهولة، دون أدنى إنتظار وخلفهم خدمهم .. فتيات خليجيات، نجديات وحجازيات يحملن أطفالهم ويدفعن عرباتهم. تنصرف نظرات بعض القادمين في مساره تجاه الخادمات في الجهة المقابلة فيما صياح الأطفال يختلط مع أصوات الخادمات العربيات وهن يحاولن أن يلهين صغارهم.  لفت نظره أن من يقوم بحمل الحقائب في المطار وجميع العاملين في خدمات النظافة هم من بلده ويتحدث كلهم لغته العربية وبعضهم بلهجته أيضا. أبرز أوراقه لموظف المطار حين حان دوره بعد إنتظار طويل ممل، يراجع الموظف المعلومات:

الإسم: حمود الرماحي
المهنة: سائق خاص
مكان الميلاد: الديرة جنوب الدرعية
مكان العمل: كاندي لدى السيد فاروق

 طلب منه إذن العمل وسلمه إياه ،، زال عنه الإرتباك الذي صاحبه منذ وصوله للمطار ... كانت هذه أول مرة يمارس فيها القليل مما تعلمه من تلك اللغة الجديدة .. أحس بشئ من الثقة وبعض الإطمئنان.

دلف الى الطريق العام بعد خروجه من صالة المطار .. استأجر مركبة لتقله الى منزل رب عمله والذي كان يسكن الى الشرق في مدينة كاندي بوسط الجزيرة. السائق يتحدث لغته ولكن بلهجة مختلفة .. عرف منها أنه من عرب الشمال ،، يسأله عن بلده والديرة التي قدم منها. كان الوقت عصرا وأشجار جوز الهند تصطف على جانبي الطريق وكانها ترحب بمقدمه إلى هذا العالم الجديد .. اللون الأخضر الداكن يصبغ المكان حوله ،، أحس بشئ من الراحة. ها هو بعد أسابيع من الإنتظار في الحسا وسنين من الحياة الخاملة في قريته يبدأ أخيرا مشوار تحقيق آماله في الحصول على عمل ذي بال. عالم غريب يراه لأول مرة .. خليط من عرب وهنود وسيلانيين وآسيويين، وجوه ذات سحنة صفراء وسمراء وبين هذه وتلك. أحس وكأنه قد حط للتو على كوكب آخر من تلك الكواكب التي كانت أمه تشاركه النظر اليها في ليالي الصيف المعتدلة بسطح بيتهم في قريته.

وصل الى بيت مستخدمه بعد أن أعطى السائق الذي أقله من المطار ماتبقى في جيبه من نقود ،، كان الأخير يتمتم بكلمات لم يفهم منها شيئا وكأنه غير راض عن ما أعطاه. طرق باب البيت الذي سيعمل عند صاحبه وقلبه يدق تلهفا الى فرصة أفضل للعيش والكسب. ينفتح الباب الخشبي ببطء مطلقا صريرا مكتوما لتطل منه فتاة صغيرة في عمر الورود ..

أيوبوا ، حيته الصغيرة.
أيوبوا،  رد عليها.
أنت حمود ؟ سألت البنت .
فاجأه السؤال ..
 .. لابد أنك حمود، أليس كذلك ؟
وقبل أن يجيب، سمع صوتا أجشا من الداخل ينادي: ياسمين ، تعالي هنا.

بعدها بثوان يطل عليه رجل قصير القامة ملتف بإزار ملون حول وسطه، وفوقه قميص أبيض.
أيوبوا ،، أنت السائق الجديد ،، يسأله.
نعم سيدي ، يجيب حمود بثقة.
أعرف ذلك، ما إسمك ؟
حمود، سيدي.
بالطبع هذا هو إسمك وكلامك كثير .. مالذي أخرك كل هذه المدة، منذ أسبوع ونحن بدون سائق ؟
لم ينتظر جوابا من حمود وإنما أخذ ينادي: سالح، يا سالح ..

أقبل مسرعا من خارج البيت رجل بدا في منتصف العمر، به بعض العرج الخفيف ،، ذكره بخاله في منفوحة ..

حاضر، سيدي ..
خذ السائق الجديد الى سكنه وجهز له أغراضه، سيبدأ عمله من الغد.
أغلق الباب وراءه وتركهما واقفين.

 أنا إسمي صالح من الحريق .. قرية تقع على أطراف جبال طويق الجنوبية في وادي الحوطة. هكذا بدأ صالح حديثه مع حمود ،، دعنى أخبرك بشئ سيفيدك كثيرا إذا أردت أن تبقى في هذا العمل ،، تريد أن تعمل أليس كذلك ؟

طبعا، رد حمود وهو مازال مندهشا من هذا الإستقبال.
هذه أول غلطة ،، عندما يوجه لك السيد سؤالا، لاترد عليه لأنه عادة ما يجيب نفسه فانتظر، إن لم يجب نفسه تستطيع أن ترد بأقل الكلام ، فهمت ؟
لم يرد حمود في انتظار أن يقول صالح شيئا ..
أحسنت، ولكن هذا لاينطبق علي ..

أخذه صالح الى غرفة صغيرة من ركن الخدم تقع في أقصى البيت الكبير. ألقى بحقيبته الصغيرة فوق سرير منخفض تعلوه نافذة تطل على أشجار موز لم يسبق لحمود أن شاهد مثلها من قبل. يشاركه صالح الإقامة في هذه الغرفة التي بمقاييس بيته الذي عاش فيه كانت مترفة. أخذ صالح يحدثه عن السيد فاروق وأبناءه، ياسمين التي فتحت له الباب هي البنت الصغيرة ذات الإثني عشر عاما وأخوها شهاب يكبرها بسنتين أما زوجة السيد أو المدام كما كان يناديها فلا يكاد يراها إلا نادرا حيث أنها تقضي معظم وقتها خارج البيت، إما في التسوق أو في متابعة أعمالها التجارية الخاصة بها فهي من كبار تجار الشاي بالجزيرة. عليك أن تحمل حقائب الأولاد وعليك أن تحضر حاجيات البيت من السوق وعليك أن تفتح للمدام باب المركبة إن أردت أن تبقى سائقا هنا .. وعليك أن .. وأن .. وأخذ يعدد عليه واجباته. كان حمود تعبا من السفر فلم ينتبه الى حديث صالح الأخير وإنما ذهب يغط في نوم عميق.

في الصباح إستيقظ مبكرا ونشطا .. لم يجد صالح في سريره، أدى صلاته وخرج يستكشف المكان حوله. بيت السيد يقع في وسط غابة من أشجار جوز الهند تحف به بعض من أشجار الموز .. غرفته تصطف على السور الخارجي مع غرف أخرى مبنية كملاحق للبيت الكبير. البيوت المجاورة في الحي تنتظم مرتبة بشكل أنيق على امتداد الطريق الذي قدم منه البارحة .. يتأمل جمال الطبيعة حوله من خلال الألوان الزاهية المعجونة باللون الأخضر، لم يخطر بباله أن تكون الأرض بمثل هذا العطاء. يحدث نفسه بتحقيق أحلامه وهو يتذكر بلده القاحلة، الطاردة لأبنائها بحثا عن لقمة العيش ..  أيقظه صالح من أحلامه تلك وكأنه قد قرأ أفكاره للتو: نعم ليس هنا رائحة الرمل المغبر ولا الشمس المحرقة لكنك لا تدري كم أفتقدهما يا حمود. عشت هنا عشرون عاما حتى كسبت ثقة السيد الذي أصبح يعتمد علي وقبلها عشرا في تايلند عملت فيها بمزرعة للمطاط ، ومازلت أحن الى الى تلك الرمال وبيوت الطين التي تركتها قبل ثلاثين عاما ولكني أحن أكثر الى مصدر رزقي هنا. أعرف أني سأعود يوما ما وربما قريبا جدا لكن الآن هناك الكثير من المهام لك.

هنا مركبات للسيد عليه أن يتقن قيادتها وهناك طرق وأماكن عليه أن يتعرف عليها ،، أعطاه صالح نسخة من المفاتيح وعليه الآن أن يحصل على إذن بالقيادة من المكتب الخاص بذلك. ذهبا سويا في أول مهمة له الى دائرة المرور وقدم الإختبار المبدئي لكنه لم يوفق فيه. أصيب حمود بإحباط وخيبة أمل كبيرة .. طمأنه صالح بأن هناك فرصة ثانية له ولكن ليس قبل أسبوع . لم يعرف كيف سيخبر السيد عن نتيجة الإختبار السلبية لكن صالح يعرف أيضا أن سيده في حاجة ماسة لسائق لذا ليس أمام السيد فاروق إلا القبول حاليا ،، المهم أن يتقن حمود القيادة. يبدوا أن الدروس النظرية التي أخذها في الحسا لم تكن كافية حيث لم يسبق له سياقة المركبات من قبل ،، الشئ الوحيد الذي كان يسوقه هو قطيع الإبل لأخواله في الديرة. كان كل شئ جديدا وغريبا عليه .. ليس القيادة فحسب.
توقيت وصوله كان مناسبا جدا لعائلة السيد لاسيما مع قرب بداية العام الدراسي وقد شفع له ذلك في تقبل نتيجة إختباره السلبية.  شيئا فشيئا بدأ يتعود على القيادة .. أخذه صالح في جولة على الأحياء القريبة. هنا مدارس ياسمين وشهاب وذاك هو السوق القريب وفي نهاية هذا الطريق يقع مكتب السيد ... كان هناك الكثير ليتعلمه في وقت قصير، فالجميع يتوقع منه أن يتقن عمله في مدة وجيزة. يعود حمود للبيت أحيانا كثيرة وهو متعب .. لم يكن هناك وقت للراحة كما أخبره صالح. عليه أن يكون ممتنا لعائلة السيد، شاكرا لهم لأنهم يتركونه ينام في الليل فهو ملكهم في النهار، كل النهار وجزءا من الليل. هم يستطيعون أن يستخدموه في أي وقت بدون أن يبدي أي ملل أو امتعاض .. حتى وهو يتناول طعامه، عليه أن يدعه ويجيب. 

يذكر أول لقاء له مع المدام حين طلبته ليوصلها الى السوق القريب حيث تركت مركبتها الخاصة بها هناك. أول مالفت انتباهه في السيدة هو طولها وملامحها التي كانت أقرب الى بنات بلده. هي في ضعف عمره تقريبا، ممتلئة الجسم، رشيقة القوام تعلوها مسحة من جمال صارم .. تتفحصه وهو يأتي مسرعا. أخذ مكانه في مقعد السائق وبقيت هي واقفة .. انتبه لخطأه، ينزل من المركبة ويهرع بسرعة لفتح الباب للمدام معتذرا .. رائحة عطر قوية تسبقها دائما. تحذره المدام من الإنشغال بالحديث مع الخدم الذين يعملون في البيت خاصة لطيفة القادمة من أبوظبي أو مربية الأطفال منيرة القادمة من نجد.

بدأت المدارس في إستقبال الطلبة وبدأ دور حمود يزداد أهمية. يجهز المركبة باكرا ويوقفها أمام الباب الرئيسي للبيت الكبير منتظرا خروج الأولاد والمربية خلفهم حاملة حقائبهم ليستلمها هو ثم يأخذهم الى مدارسهم.  نجح في الإختبار المبدئي للقيادة وبقى عليه الإختبار العملي وموعده بعد أيام ،، إرتكب أول غلطة في القيادة وتسبب في حادث بسيط ولكنه كبير في نظر مخدومه. إكتشف لاحقا أنه لم يكن هو المخطئ بدليل تقرير الشرطة الذي صدر في الحال لكن لم يشفع له ذلك عند السيد الذي أعطاه درسا في التعامل مع الغير أو هكذا إعتقد .. صرخ في وجهه: لاأريد حوادث أو مشاكل، أتريدها أنت ؟ لم يرد حمود. أخبره صالح بعدها أن السائق العربي الذي عمل قبله قد هرب بعد أن سرق بعض الممتلكات من البيت الكبير مما جعل السيد يتخذ موقفا عدائيا تجاه كل السائقين القادمين من الخليج.

أخذ حمود في التعود على الحي الذي يسكنه. تعرف على بعض السائقين من البيوت المجاورة لهم .. بعضهم من بلده القريب في منطقة العارض بنجد وآخرون من أماكن متفرقة من أطراف الجزيرة العربية. حذره صالح من أن يلتهي بالحديث مع السائقين عن خدمة السيد. لم يعد يرى صالح إلا في وقت الطعام الذي يحضره صالح معه الى غرفتهما .. كان خليطا من الأكل العربي مع الهندي ويزيد عن حاجته دائما.  أين أمه لترى هذه الخيرات التي ينعم فيها تصله من البيت الكبير .. ليت من يبعث بشئ منها الي امه وخاله.

بعد بضعة أيام إنتقل صالح الى سكن خاص به في مكتب السيد وبقي حمود وحيدا في غرفته .. لم يؤنس وحدته سوى نبتة زعتر صغيرة زرعها حمود في وعاء من الفخار بقرب سريره على الطاولة الوحيدة لتضفي رائحة عطرية جميلة. كان يستخدم أوراقها أحيانا ليضيفها الى شاي المساء أو حين يحس بالتهاب في حلقه يحتاج معه الى مسكن. يوم البريد لم يكن يوما عاديا .. يكاد فيه قلبه أن يتوقف حين رؤيته لمكتوب أمه يناوله له صالح ولكن هذه المرة سلمت البريد له المربية منيرة. هذه أول مرة يراها عن قرب، تحدثت معه بسرعة كي لا تراها المدام، عرف أنها من القصيم فلهجتها المحببة الى نفسه كانت واضحة ولاتخفى على مثله. تركته مع خطاب أمه والذي بدا وكأنه من عالم آخر توقف فيه الزمن .. كان خطابها مختلفا هذه المرة تملؤه الثقوب في إشارة الى عدم رضاها عنه فقد تأخر في رده الأخير. انتابته موجة من الأسى وهو يقرأه .. لابد أن خطابها الذي لم يرد عيه قد فقد إذ لايذكر انه استلمه.

 كان هناك خطاب آخر من سعود .. هذه هي المرة الأولى التي يصله بريد من سعود. فتحه على عجل .. عرف من الرسالة أنه غادر الى أندونيسيا ليعمل في البناء عند أحد المقاولين في جاكرتا ،، كم يفتقد سعود وقصصه العجيبة عن مادة النفط و دنيا الأغنياء التي سادت فترة من الزمن في بلده كما يزعم .. كلها بالطبع من بنات أفكار سعود كما كان يظن.

ثم كان هناك خطاب آخر يعلوه الغبار .. الصفحات الداخلية مهترأة والخط بالكاد يستطيع قراءته لكنه مفهوم. لم يعرف من هو المرسل لكنه كان موجها له كما يبدو من الغلاف، حاملا إسمه.

فتح الخطاب ليقرأ