يقف العالم على الجانب ليفسح الطريق بالمرور أمام من يعرف أين هو ذاهب
ديفيد ستار جوردان
أنهى حمود واجباته مبكرا هذا اليوم . قام بإيصال الأولاد من المدرسة وقضاء حاجات البيت ثم عاد مسرعا الى غرفته. فتح صندوقه الخاص بالرسائل واستخرج قصاصة الورق التي تتحدث عن الكنز ثم خرج ليجد الجد مشغولا بسقي أزهاره في الحديقة.. إقترب منه حمود طالبا الإذن في زيارة مكتبة الحي الذي يسكن فيه زاعما أنه يفضل كتابة خطاب لأمه هناك. أجابه الجد إلى طلبه وهو يرمقه بنظرة شك وإرتياب إذ ما علاقة حمود بالكتابة والمكتبات، ولم لا يكتب خطابه في غرفته كما تعود.
وصل حمود الى المكتبة القريبة وهو يحس أن شخصا ما يتابع خطواته منذ خروجه من البيت.. هل يمكن أن يكون الجد هو الذي يراقبه ؟ علاقته مع الجد هي الأفضل من بين جميع أفراد العائلة ولكنه أحس بنظرات الريبة في عيني الجد هذه المرة .. لم لا يكون الجد هو صاحب الرسائل الغريبة وهو يضعها له للترفيه عنه وفي المرة الأخيرة تمادى قليلا وقرر وضع شيئ إضافي عن الكنز للترفيه عن كلاهما ليرى كيف يتصرف فقير مسكين مثل حمود مع فكرة هبوط ثروة هائلة عليه ..
من فضلك، أحتاج بعض المساعدة ..؟ يسأل حمود أمين المكتبة.
نعم .. كيف يمكن أن أخدمك ؟ يطل عليه رجل قصير القامة يختبئ خلف نظارات سميكة لم يسبق لحمود أن شاهد مثلها من قبل.
أريد كتابا معينا .. كل الذي أعرفه عن الكتاب هو رقمه. يخرج حمود قصاصة الورق ليرى الأرقام الى أمين المكتبة بعد أن أخفى الإشارة الى الكنز:
نهاية العالم عند:
N 07 57 27
E 80 45 36
همم .. لا نحمل كتبا بهذه التشكيلة من الأرقام والعناوين .. يتابع أمين المكتبة.
إذن قد تكون في مكتبة أخرى .. يتسائل حمود.
لا أعتقد ،، نحن المكتبة الأثرية الوحيدة في الجزيرة التي تضع كتبا مطبوعة على أرففها فجميع المكتبات الأخرى رقمية وتخلو من الورق ..
لكن مهلا، .. أمتأكد أن هذا كتاب ؟ .. تبدو لي هذه الأرقام وكأنها إحداثيات من النوع الذي كان يستخدم قديما لتحديد موقع جغرافي. تعال معي .. ينزلان سويا عبر درج خشبي يقودهما الى دهليز طويل تحت مستوى أرضية المكتبة ثم الى قسم الخرائط الأثرية بالقبو .. مساحة مظلمة في جو رطب تصطف على جنباتها أرفف خشبية عالية الإرتفاع. بعد بحث سريع بين الأرفف يستخرج أمين المكتبة خريطة قديمة لسيلان يعلوها الغبار ثم يتخذ مقعدا له تحت عمود الإضاءة القريب من الرف.
نعم، مثل ماتوقعت. إنظر .. أترى هذه الأرقام على جانبي الخريطة ؟ إنها تعني خطوط الطول والعرض التي كان يستخدمها أجدادنا سابقا وإلتقاء خطين يحددان نقطة ما على الكرة الأرضية .. أتعرف أنهم كانوا يستخدمون أجهزة صغيرة لاقطة تستقبل إشارات من أقمار صناعية تدور حول الأرض لتحديد أماكنهم في بداية طفرة الإتصالات عند نهاية الألفية الثانية ..
إذن فهذه الأرقام تشير الى نقطة محددة في الجزيرة وهي المكان المعروف بنهاية العالم، أليس كذلك؟ يقاطعه حمود مستعجلا.
دقائق من السكون يمضيها أمين المكتبة وهو يتتبع الخطوط .. إمم .. نعم .. لا ، نعم، لا .. لا، إنظر هنا .. تشير الإحداثيات الى نقطة فوق. هنا في جبل سقريا، إلى الشمال من كاندي بينما نهاية العالم تحت الى الجنوب من كاندي بالقرب من نوارا إليا ..
يخرج حمود مسرعا وهو يحمل قصاصة الإحداثيات و نسخة من الخريطة سمح له أمين المكتبة بتصويرها. لم ينس أن يشكره كثيرا على مساعدته لكنه كان متوجسا أكثر من أسئلته التي حاول التهرب منها فما هو في النهاية سوى عامل بسيط من بلد غريب يأتي حاملا أرقاما قديمة تدل على مكان ما لا يظهر إلا في خرائط أثرية. أليس هذا كافيا لإثارة الشكوك حوله .. بلى ، ولكن كيف سيحل لغز هذا الكنز إن لم يقم بتتبع الخيط الذي سيقوده الى مبتغاه .. ترى ماذا يدور في ذهن أمين المكتبة عنه الآن ؟
عاد حمود الى البيت الكبير وهو مشغول البال يحسب أن أنظار المارة كلها تلاحقه في الطريق وأن العالم يراقبه. لم يكف عن التساؤل .. إذا كانت الأرقام تشير الى مكان آخر وهو جبل سقريا فلم نهاية العالم ؟ .. لماذا تذكر الكلمات نهاية العالم بينما تشير الأرقام، كما أخبره أمين المكتبة، الى سقريا ؟.. أيحتمل أن يكون هناك خطأ ما ؟
تتزاحم الأسئلة في رأس حمود من دون إجابات .. يصل الى البيت ليفتح باب غرفته ويلقي بنسخة الخريطة على الطاولة الصغيرة أمام سريره. لم ينتبه الى خيال شخص يجلس في الركن المقابل لسريره.
مالذي تبحث عنه ؟
يجفل حمود عند سماع الصوت الغريب. تندفع يده لاشعوريا لتسقط الآنية الفخارية التي تحوي نبتة الزعتر الصغيرة فتنكسر على الأرض. يلتفت ليجد الجد جالسا لوحده وهو ينظر إليه فيما وريقات تتدلى بين يديه .. هذه هي المرة الأولى التي يجد فيها أحدا من البيت الكبير يدخل غرفته فضلا عن أن يجلس في أحد أركانها.
أرجو المعذرة .. لم أقصد أن أفاجأك هكذا. يتابع الجد حديثه ... تأخرت في المكتبة فقررت أن أنتظرك هنا، عن ماذا تبحث؟
عقدت المفاجأة لسان حمود ..
ماذا تقصد ؟ .. يجيب مستفسرا بينما أكب على الأرض ليجمع قطع الفخار.
كنت في المكتبة كما قلت لي ولكن لم تذهب إلى هناك لتكتب خطابا .. كنت تبحث عن شئ ما، ماهو ؟
لاشئ .. أجاب حمود وهو يحاول أن يخفي إضطرابه ،، ولكن كيف عرفت أني لم أكن أكتب خطابا لأمي ؟
أنظر الى أدواتك، أقلامك وورقك هنا لم تأخذ شئ منها معك .. ظننت أنك نسيتها فطلبت من صالح أن يأخذها لك. تعرف أن السائق الذي كان يعمل قبلك قد هرب مرة من خدمة السيد وهذا يكلفنا متاعب جمة في إستخراج تراخيص الإستقدام والعمل ..
إطمئن فليس في نيتي الهرب بل على العكس فأنا مسرور بالعمل وأشكر الله أن قدر لي هذه الفرصة للمجئ هنا .. يرد حمود بثقة.
حسنا، أردت فقط أن أتأكد .. ولو أنك لم تجب على سؤالي .. قالها الجد وهو يغادر الغرفة فيما يتنفس حمود الصعداء. هل ياترى لاحظ شيئا ؟ كانت الخريطة أمامه على السرير ومع ذلك لم يسأل عنها .. ثم ماهي تلك الأوراق التي كانت بين يديه ؟ هل إطلع على الرسائل ؟ يمد يده سريعا تحت السرير ليسحب صندوقه الحديدي من مخبأه. يبدوا في مكانه مقفلا .. إذن لم تمسه يد الجد. هل إقتنع بجوابي ؟ ربما ولكني سمعته يقول أنني لم أجبه ..
يكمل حمود تنظيف طاولته من بقايا الإناء المكسور ورأسه ملئ بالإسئلة التي تبحث عن إجابات .. فجأة ينتبه إلى وجود طرف خطاب يبرز فوق عتبة النافذة، يسحبه على عجل ليجده من نفس نوعية الخطابات إياها. لكن لماذا تغير المكان هذه المرة، لم ليس عند عتبة الباب؟ كان الجد هنا .. هل يمكن أن يكون هو من وضعه قرب النافذة خاصة وأنه كان يحمل بعض الأوراق في يده ؟ لم يتبين حمود ملامح تلك الوريقات.. لا، لا بد أن من ترك الخطاب قد تركه من الخارج بعد أن لاحظ وجود الجد في الداخل .. نعم هذا هو السيناريو المقبول .. هكذا قدر حمود، لكن ترى من يكون ؟
فتح الرسالة .. كانت ملفوفة بعناية أكثر من المعتاد ،،
ينظر في الأوراق ليجد كلاما غير مفهوم ،، بعض الأحرف قد زالت وبعضها الآخر مازال واضحا لكن الكلمات غير مقروؤة .. ثم فجأة إتضحت الكلمات وبدأت تتراص مع بعضها شيئا فشيئا لتصبح جملا مفهومة .. بدأ بالقراءة:
... ولكن.. من.. و .. سل.. ثم
أخبرني بالله عليك، هل سينقص من إسلامك شئ لو لم يكن هناك إبن تيمية أو إبن القيم أو إبن كثير ،، بل هل سينقص من إسلامك شئ لو لم يكن هناك أحد الأئمة الأربعة أو حتى أحد المبشرين بالجنة ؟ .. فكر جيدا قبل أن تجيب، هل سيتغير شئ في دينك كما تعتقده اليوم لو لم يعش أحدا من هؤلاء، هل ستشعر بنقص في إيمانك لو لم يكن أحد من مثل هؤلاء البشر موجودا، هل ستتغير الطريقة التي تمارس فيها شعائر دينك بحيث تنقص صلاة الظهر ركعة أو تزيد صلاة الفجر عن ركعتين مثلا .. أما عن نفسي فلا أرى أن عدم وجود أحد من هؤلاء سينقص من ديني كما أن وجودهم لن يزيد فيه .
عاش أبي ومن قبله أجدادي في إحدى قرى نجد ولم يعرفوا إلا أقل من القليل عن الذين ذكرتهم أعلاه ،، ومع ذلك كانوا أكثر ورعا وتقى من كثير من مدعي التدين الذين نراهم اليوم. عرفوا أن الدنيا أوسع لهم من الدين بالرغم من تدينهم الشديد وبالرغم من دنياهم الصغيرة .. لم يلتحقوا جميعا بمدارس يلقنون فيها تفسيرا ولا فقها ولا تجويدا ولاحديثا ،، إنما كفاهم ما تعلموه من قرآن ربهم وما عرفوه من تعاليم نبيهم .. تصور ذلك، عاشوا وماتوا مسلمين وما قرأوا البخاري ولا درسوا إبن تيمية !
أيصير ذلك ؟ ولم لا، .. كان الواحد منهم يعرف أمور دينه في وقت قصير، ثم يتفرغ لدنياه بدون أن يقف الدين عائقا عن ممارسة حياته الطبيعية أو مصدر تهديد لغيره كما هو اليوم .. حتى نظرتهم للآخرين كانت مدفوعة في أكثرها بتقاليدهم وعاداتهم بحكم نشأتهم في بيئة منغلقة ولم تكن كما هي اليوم بدافع ديني مؤدلج حيث البلد منفتحة على العالم.
ثم مالذي يحتاجه المسلم أصلا ليقوم بما إفترضه الله عليه من عبادة ،، أليس الركن الثاني من الدين يستطيع المسلم أن يتعلمه في جلسة واحدة أو جلستان أو ثلاث ثم هو يكررها يوميا. لم يدرس آباءنا أركان الوضوء ولا سننه أو واجباته ،، ومع ذلك لم يشكوا في صحة صلاتهم .. ألم يكن الأعرابي يفد على الرسول صلى الله عليه وسلم فيتعلم منه دينا جديدا كاملا في يوم أو يومان أو أسبوع أو أسبوعان ويعود الى قومه ..
أما اليوم فيظل الواحد منا يتلقى دروسا في الفكر الديني منذ صغره وحتى يتخرج من الجامعة. يبتدأ في طفولته بدروس عن الموت وهو للتو مقبل على الحياة ، يتطلع في صغره إلى دنيا يحدوها الأمل ليجد حصصا عن القبر والكفن، بدلا من أن يتعلم أول ما يتعلم عن الحياة وقيمتها يبدأ بصلاة الجنازة وصفتها .. نحشوا عقول أبنائنا بدروس في الفقه والتجويد والتفسير والحديث والنصوص منذ دخولهم للمدرسة وهم أبناء سبع سنين وحتى تخرجهم من الثانوية بعد أن يصبحوا شبابا .. وكأنهم جميعا يتم تحضيرهم ليصبحوا رجال دين أو مختصين في الشريعة.
هذا عن الكم أما عن المحتوى فهي ليست قرآنا منزلا وآي من الذكر الحكيم، بل هي زاد ثقيل من شروحات وهوامش وضعها أناس مثلي ومثلك .. مرروا آراءهم في فترة من الزمن حتى أصبح كلامهم مقدسا غير قابل للمناقشه فضلا عن الإنتقاد. محتوى مكرر ومواضيع معادة كل سنة دراسية ولكن بتفصيل أكثر وتوسع ممل عن أمور تؤخر أكثر مما تقدم وتعطل أكثر مما تنتج. مناهج خفية وأخرى ظاهرة ومراكز بين تلك المدارس تعلم فيما تعلمه أن الحياة الدنيا لا تستحق العيش وأنها ممر لحياة آخرة هي الباقية - كلام حق أريد به باطل – وأن ماوراء الدنيا من موت وعبور الى حياة خالدة هو أهون و أسهل بكثير من حياة جاهلة، وأن الدنيا مليئة بأنواع الشرور، كل أنواع الشرور، وعلى رأسها المرأة، خاصة غير المحجبة وما أكثرهن في هذا العالم، وأن الأغاني والسينما والتلفاز والإنترنت وكافة المتع الحسية والمعنوية هي في أكثرها إن لم يكن كلها شرا وحراما يجب الحذر منها وأن الأصل في الأشياء .. كل الأشياء هو للحرمة أقرب وعليك أن تسأل عن ما هو الحلال منها بمجرد بدء يومك وحتى تنهيه وإلا وقعت في الحرام !
عليكم أن تحاكموا آباءنا وأجدادنا قبلنا وتصدروا أحكامكم عليهم لأنهم لم يقضوا إثنا عشر عاما من عمرهم وهم يحفظون مانكرره في مدارسنا. أصبحنا في وضع حرج ليس مع العالم من حولنا فحسب بل ومع أنفسنا من الداخل .. حتى الدولة تورطت مع هذا التيار المتشدد على الرغم من المحاولات المستميته لتغريبه والقول بأنه بضاعة مستوردة، وماهو بذلك .. بل هو صناعة محلية وبنكهة سعودية. نعم، قد يخالطه بعض المكونات الخارجية ولكنه بالأصل منتج وطني بحت.
ديفيد ستار جوردان
أنهى حمود واجباته مبكرا هذا اليوم . قام بإيصال الأولاد من المدرسة وقضاء حاجات البيت ثم عاد مسرعا الى غرفته. فتح صندوقه الخاص بالرسائل واستخرج قصاصة الورق التي تتحدث عن الكنز ثم خرج ليجد الجد مشغولا بسقي أزهاره في الحديقة.. إقترب منه حمود طالبا الإذن في زيارة مكتبة الحي الذي يسكن فيه زاعما أنه يفضل كتابة خطاب لأمه هناك. أجابه الجد إلى طلبه وهو يرمقه بنظرة شك وإرتياب إذ ما علاقة حمود بالكتابة والمكتبات، ولم لا يكتب خطابه في غرفته كما تعود.
وصل حمود الى المكتبة القريبة وهو يحس أن شخصا ما يتابع خطواته منذ خروجه من البيت.. هل يمكن أن يكون الجد هو الذي يراقبه ؟ علاقته مع الجد هي الأفضل من بين جميع أفراد العائلة ولكنه أحس بنظرات الريبة في عيني الجد هذه المرة .. لم لا يكون الجد هو صاحب الرسائل الغريبة وهو يضعها له للترفيه عنه وفي المرة الأخيرة تمادى قليلا وقرر وضع شيئ إضافي عن الكنز للترفيه عن كلاهما ليرى كيف يتصرف فقير مسكين مثل حمود مع فكرة هبوط ثروة هائلة عليه ..
من فضلك، أحتاج بعض المساعدة ..؟ يسأل حمود أمين المكتبة.
نعم .. كيف يمكن أن أخدمك ؟ يطل عليه رجل قصير القامة يختبئ خلف نظارات سميكة لم يسبق لحمود أن شاهد مثلها من قبل.
أريد كتابا معينا .. كل الذي أعرفه عن الكتاب هو رقمه. يخرج حمود قصاصة الورق ليرى الأرقام الى أمين المكتبة بعد أن أخفى الإشارة الى الكنز:
نهاية العالم عند:
N 07 57 27
E 80 45 36
همم .. لا نحمل كتبا بهذه التشكيلة من الأرقام والعناوين .. يتابع أمين المكتبة.
إذن قد تكون في مكتبة أخرى .. يتسائل حمود.
لا أعتقد ،، نحن المكتبة الأثرية الوحيدة في الجزيرة التي تضع كتبا مطبوعة على أرففها فجميع المكتبات الأخرى رقمية وتخلو من الورق ..
لكن مهلا، .. أمتأكد أن هذا كتاب ؟ .. تبدو لي هذه الأرقام وكأنها إحداثيات من النوع الذي كان يستخدم قديما لتحديد موقع جغرافي. تعال معي .. ينزلان سويا عبر درج خشبي يقودهما الى دهليز طويل تحت مستوى أرضية المكتبة ثم الى قسم الخرائط الأثرية بالقبو .. مساحة مظلمة في جو رطب تصطف على جنباتها أرفف خشبية عالية الإرتفاع. بعد بحث سريع بين الأرفف يستخرج أمين المكتبة خريطة قديمة لسيلان يعلوها الغبار ثم يتخذ مقعدا له تحت عمود الإضاءة القريب من الرف.
نعم، مثل ماتوقعت. إنظر .. أترى هذه الأرقام على جانبي الخريطة ؟ إنها تعني خطوط الطول والعرض التي كان يستخدمها أجدادنا سابقا وإلتقاء خطين يحددان نقطة ما على الكرة الأرضية .. أتعرف أنهم كانوا يستخدمون أجهزة صغيرة لاقطة تستقبل إشارات من أقمار صناعية تدور حول الأرض لتحديد أماكنهم في بداية طفرة الإتصالات عند نهاية الألفية الثانية ..
إذن فهذه الأرقام تشير الى نقطة محددة في الجزيرة وهي المكان المعروف بنهاية العالم، أليس كذلك؟ يقاطعه حمود مستعجلا.
دقائق من السكون يمضيها أمين المكتبة وهو يتتبع الخطوط .. إمم .. نعم .. لا ، نعم، لا .. لا، إنظر هنا .. تشير الإحداثيات الى نقطة فوق. هنا في جبل سقريا، إلى الشمال من كاندي بينما نهاية العالم تحت الى الجنوب من كاندي بالقرب من نوارا إليا ..
يخرج حمود مسرعا وهو يحمل قصاصة الإحداثيات و نسخة من الخريطة سمح له أمين المكتبة بتصويرها. لم ينس أن يشكره كثيرا على مساعدته لكنه كان متوجسا أكثر من أسئلته التي حاول التهرب منها فما هو في النهاية سوى عامل بسيط من بلد غريب يأتي حاملا أرقاما قديمة تدل على مكان ما لا يظهر إلا في خرائط أثرية. أليس هذا كافيا لإثارة الشكوك حوله .. بلى ، ولكن كيف سيحل لغز هذا الكنز إن لم يقم بتتبع الخيط الذي سيقوده الى مبتغاه .. ترى ماذا يدور في ذهن أمين المكتبة عنه الآن ؟
عاد حمود الى البيت الكبير وهو مشغول البال يحسب أن أنظار المارة كلها تلاحقه في الطريق وأن العالم يراقبه. لم يكف عن التساؤل .. إذا كانت الأرقام تشير الى مكان آخر وهو جبل سقريا فلم نهاية العالم ؟ .. لماذا تذكر الكلمات نهاية العالم بينما تشير الأرقام، كما أخبره أمين المكتبة، الى سقريا ؟.. أيحتمل أن يكون هناك خطأ ما ؟
تتزاحم الأسئلة في رأس حمود من دون إجابات .. يصل الى البيت ليفتح باب غرفته ويلقي بنسخة الخريطة على الطاولة الصغيرة أمام سريره. لم ينتبه الى خيال شخص يجلس في الركن المقابل لسريره.
مالذي تبحث عنه ؟
يجفل حمود عند سماع الصوت الغريب. تندفع يده لاشعوريا لتسقط الآنية الفخارية التي تحوي نبتة الزعتر الصغيرة فتنكسر على الأرض. يلتفت ليجد الجد جالسا لوحده وهو ينظر إليه فيما وريقات تتدلى بين يديه .. هذه هي المرة الأولى التي يجد فيها أحدا من البيت الكبير يدخل غرفته فضلا عن أن يجلس في أحد أركانها.
أرجو المعذرة .. لم أقصد أن أفاجأك هكذا. يتابع الجد حديثه ... تأخرت في المكتبة فقررت أن أنتظرك هنا، عن ماذا تبحث؟
عقدت المفاجأة لسان حمود ..
ماذا تقصد ؟ .. يجيب مستفسرا بينما أكب على الأرض ليجمع قطع الفخار.
كنت في المكتبة كما قلت لي ولكن لم تذهب إلى هناك لتكتب خطابا .. كنت تبحث عن شئ ما، ماهو ؟
لاشئ .. أجاب حمود وهو يحاول أن يخفي إضطرابه ،، ولكن كيف عرفت أني لم أكن أكتب خطابا لأمي ؟
أنظر الى أدواتك، أقلامك وورقك هنا لم تأخذ شئ منها معك .. ظننت أنك نسيتها فطلبت من صالح أن يأخذها لك. تعرف أن السائق الذي كان يعمل قبلك قد هرب مرة من خدمة السيد وهذا يكلفنا متاعب جمة في إستخراج تراخيص الإستقدام والعمل ..
إطمئن فليس في نيتي الهرب بل على العكس فأنا مسرور بالعمل وأشكر الله أن قدر لي هذه الفرصة للمجئ هنا .. يرد حمود بثقة.
حسنا، أردت فقط أن أتأكد .. ولو أنك لم تجب على سؤالي .. قالها الجد وهو يغادر الغرفة فيما يتنفس حمود الصعداء. هل ياترى لاحظ شيئا ؟ كانت الخريطة أمامه على السرير ومع ذلك لم يسأل عنها .. ثم ماهي تلك الأوراق التي كانت بين يديه ؟ هل إطلع على الرسائل ؟ يمد يده سريعا تحت السرير ليسحب صندوقه الحديدي من مخبأه. يبدوا في مكانه مقفلا .. إذن لم تمسه يد الجد. هل إقتنع بجوابي ؟ ربما ولكني سمعته يقول أنني لم أجبه ..
يكمل حمود تنظيف طاولته من بقايا الإناء المكسور ورأسه ملئ بالإسئلة التي تبحث عن إجابات .. فجأة ينتبه إلى وجود طرف خطاب يبرز فوق عتبة النافذة، يسحبه على عجل ليجده من نفس نوعية الخطابات إياها. لكن لماذا تغير المكان هذه المرة، لم ليس عند عتبة الباب؟ كان الجد هنا .. هل يمكن أن يكون هو من وضعه قرب النافذة خاصة وأنه كان يحمل بعض الأوراق في يده ؟ لم يتبين حمود ملامح تلك الوريقات.. لا، لا بد أن من ترك الخطاب قد تركه من الخارج بعد أن لاحظ وجود الجد في الداخل .. نعم هذا هو السيناريو المقبول .. هكذا قدر حمود، لكن ترى من يكون ؟
فتح الرسالة .. كانت ملفوفة بعناية أكثر من المعتاد ،،
ينظر في الأوراق ليجد كلاما غير مفهوم ،، بعض الأحرف قد زالت وبعضها الآخر مازال واضحا لكن الكلمات غير مقروؤة .. ثم فجأة إتضحت الكلمات وبدأت تتراص مع بعضها شيئا فشيئا لتصبح جملا مفهومة .. بدأ بالقراءة:
... ولكن.. من.. و .. سل.. ثم
أخبرني بالله عليك، هل سينقص من إسلامك شئ لو لم يكن هناك إبن تيمية أو إبن القيم أو إبن كثير ،، بل هل سينقص من إسلامك شئ لو لم يكن هناك أحد الأئمة الأربعة أو حتى أحد المبشرين بالجنة ؟ .. فكر جيدا قبل أن تجيب، هل سيتغير شئ في دينك كما تعتقده اليوم لو لم يعش أحدا من هؤلاء، هل ستشعر بنقص في إيمانك لو لم يكن أحد من مثل هؤلاء البشر موجودا، هل ستتغير الطريقة التي تمارس فيها شعائر دينك بحيث تنقص صلاة الظهر ركعة أو تزيد صلاة الفجر عن ركعتين مثلا .. أما عن نفسي فلا أرى أن عدم وجود أحد من هؤلاء سينقص من ديني كما أن وجودهم لن يزيد فيه .
عاش أبي ومن قبله أجدادي في إحدى قرى نجد ولم يعرفوا إلا أقل من القليل عن الذين ذكرتهم أعلاه ،، ومع ذلك كانوا أكثر ورعا وتقى من كثير من مدعي التدين الذين نراهم اليوم. عرفوا أن الدنيا أوسع لهم من الدين بالرغم من تدينهم الشديد وبالرغم من دنياهم الصغيرة .. لم يلتحقوا جميعا بمدارس يلقنون فيها تفسيرا ولا فقها ولا تجويدا ولاحديثا ،، إنما كفاهم ما تعلموه من قرآن ربهم وما عرفوه من تعاليم نبيهم .. تصور ذلك، عاشوا وماتوا مسلمين وما قرأوا البخاري ولا درسوا إبن تيمية !
أيصير ذلك ؟ ولم لا، .. كان الواحد منهم يعرف أمور دينه في وقت قصير، ثم يتفرغ لدنياه بدون أن يقف الدين عائقا عن ممارسة حياته الطبيعية أو مصدر تهديد لغيره كما هو اليوم .. حتى نظرتهم للآخرين كانت مدفوعة في أكثرها بتقاليدهم وعاداتهم بحكم نشأتهم في بيئة منغلقة ولم تكن كما هي اليوم بدافع ديني مؤدلج حيث البلد منفتحة على العالم.
ثم مالذي يحتاجه المسلم أصلا ليقوم بما إفترضه الله عليه من عبادة ،، أليس الركن الثاني من الدين يستطيع المسلم أن يتعلمه في جلسة واحدة أو جلستان أو ثلاث ثم هو يكررها يوميا. لم يدرس آباءنا أركان الوضوء ولا سننه أو واجباته ،، ومع ذلك لم يشكوا في صحة صلاتهم .. ألم يكن الأعرابي يفد على الرسول صلى الله عليه وسلم فيتعلم منه دينا جديدا كاملا في يوم أو يومان أو أسبوع أو أسبوعان ويعود الى قومه ..
أما اليوم فيظل الواحد منا يتلقى دروسا في الفكر الديني منذ صغره وحتى يتخرج من الجامعة. يبتدأ في طفولته بدروس عن الموت وهو للتو مقبل على الحياة ، يتطلع في صغره إلى دنيا يحدوها الأمل ليجد حصصا عن القبر والكفن، بدلا من أن يتعلم أول ما يتعلم عن الحياة وقيمتها يبدأ بصلاة الجنازة وصفتها .. نحشوا عقول أبنائنا بدروس في الفقه والتجويد والتفسير والحديث والنصوص منذ دخولهم للمدرسة وهم أبناء سبع سنين وحتى تخرجهم من الثانوية بعد أن يصبحوا شبابا .. وكأنهم جميعا يتم تحضيرهم ليصبحوا رجال دين أو مختصين في الشريعة.
هذا عن الكم أما عن المحتوى فهي ليست قرآنا منزلا وآي من الذكر الحكيم، بل هي زاد ثقيل من شروحات وهوامش وضعها أناس مثلي ومثلك .. مرروا آراءهم في فترة من الزمن حتى أصبح كلامهم مقدسا غير قابل للمناقشه فضلا عن الإنتقاد. محتوى مكرر ومواضيع معادة كل سنة دراسية ولكن بتفصيل أكثر وتوسع ممل عن أمور تؤخر أكثر مما تقدم وتعطل أكثر مما تنتج. مناهج خفية وأخرى ظاهرة ومراكز بين تلك المدارس تعلم فيما تعلمه أن الحياة الدنيا لا تستحق العيش وأنها ممر لحياة آخرة هي الباقية - كلام حق أريد به باطل – وأن ماوراء الدنيا من موت وعبور الى حياة خالدة هو أهون و أسهل بكثير من حياة جاهلة، وأن الدنيا مليئة بأنواع الشرور، كل أنواع الشرور، وعلى رأسها المرأة، خاصة غير المحجبة وما أكثرهن في هذا العالم، وأن الأغاني والسينما والتلفاز والإنترنت وكافة المتع الحسية والمعنوية هي في أكثرها إن لم يكن كلها شرا وحراما يجب الحذر منها وأن الأصل في الأشياء .. كل الأشياء هو للحرمة أقرب وعليك أن تسأل عن ما هو الحلال منها بمجرد بدء يومك وحتى تنهيه وإلا وقعت في الحرام !
عليكم أن تحاكموا آباءنا وأجدادنا قبلنا وتصدروا أحكامكم عليهم لأنهم لم يقضوا إثنا عشر عاما من عمرهم وهم يحفظون مانكرره في مدارسنا. أصبحنا في وضع حرج ليس مع العالم من حولنا فحسب بل ومع أنفسنا من الداخل .. حتى الدولة تورطت مع هذا التيار المتشدد على الرغم من المحاولات المستميته لتغريبه والقول بأنه بضاعة مستوردة، وماهو بذلك .. بل هو صناعة محلية وبنكهة سعودية. نعم، قد يخالطه بعض المكونات الخارجية ولكنه بالأصل منتج وطني بحت.
